3:24 م - السبت أبريل 24, 2348
سجل جرائم الأتراك في عفرين  -   6 مليار ليرة سورية تكلفة المشاريع التي ستنفذ في كوباني هذا الصيف، فما هي؟  -   بينما انهمك العالم باستقلال كردستان عن العراق، كان بوتين يخطط بهدوء للسيطرة على نفط الاكراد  -   افتتاح ممثلية لاكراد سوريا في واشنطن  -   تجديد شبكة الكهرباء في عدد من أحياء كوباني  -   إعلاميات كوباني يهنئن بيوم الصحافة الكردية  -   حملة تنظيف وتشجير للطرق العامة في كوباني  -   رفع أسعار بعض مواد البناء في مقاطعة كوباني  -   مجلس بلدية كوباني يوضح بعض النقاط بخصوص ترخيص المباني والمحلات التجارية  -   افتتاح دورة تدريبية للشبيبة في كوباني  -   انطلاق أول مباراة ضمن دوري “عفرين في القلب” لكرة القدم في كوباني  -   افتتاح ثاني مركز بلدية في ريف كوباني الغربي  -   “الدب السوري”: قائد في «خلية هامبورغ» المسؤولة عن تجنيد عدد من منفذي هجمات 11 سبتمبر في قبضة اكراد سوريا  -   هل سنجد جنودا من الامارات ومصر والسعودية في روجافا لحمايتها ضد تهديد ايران وتركية وسورية  -   دار المرأة في كوباني  -  

من ذاكرتي حول كوباني

97 Viewed Kobani Kurd 0 respond

صالح بوزان/خاص بـ كوباني كرد:

ولدت في قرية شويتي التي تبعد عن كوباني حولي 40 كيلومتراً شرقاً. وأول مرة شاهدت المدينة كان عمري حوالي خمس سنوات. حينئذ لم تكن هناك طرق معبدة بين القرى ومدينة كوباني. والمواصلات اقتصرت على باص قديم كان الناس يطلقون عليه اسم بوصطه. وهذا الاسم جاء من العهد الفرنسي حيث كان المقصود به باص البريد. وفي الشتاء كانت الصلة تنقطع بين القرى والمدينة.

كان الناس من منطقتنا يركبون القطار الذي تبتعد محطته عن قريتنا 7 كيلومترات شمالاً.

ذهبت مع والدي إلى محطة القطار. وانتظرنا وقتاً طويلاً حتى جاء القطار من الشرق بصفيره الذي شبهته بعجوز يعن تحت الحمل وصعوبة المشي. وعندما وصل إلى المحطة أطلق بخاراً كثيفاً من منخاره وكأنه يتنفس الصعداء من السير الثقيل.

ركبنا القطار, وكانت المقاعد خشبية.ومعظم الناس فيها من القرويين يتجهون إلى كوباني أو حلب, وبعضهم إلى قراهم على طول خط سكك الحديد. كان الجابي الذي يدقق البطاقات من البوليس التركي. وكان والدي يعرف شيئاً من اللغة التركية العثمانية. في الطريق كان القطار يطلق صفيره بشكل متقطع. وكلما كان يصفّر, كان يمط التصفيرة وكأنه يشتكي من شيء ما. وعندما كان يصعد في الهضاب, كان يبطئ في سيره لدرجة أن بعض الركاب كانوا ينزلون من القطار عندما يقتربون من قراهم.

كانت القطارات عندئذ على الفحم. وعند صعود التلال تطلق دخاناً أسوداً كثيفاً. ولم تكن الشبابيك محكمة. فيدخل الدخان أحياناً إلى الفركونات. وأتذكر أن أحد الركاب أخرج رأسه من الشباك ليرى إلى أين وصل القطار, وعندما أعاد برأسه إلى الخلف ظهر على وجهه بعض الشحار الذي كان القطار يطلقه. فضحك منه كل من كان في الفركون.

وصلنا إلى كوباني مساء. كانت محطة النزول تقع في شمال المدينة. خرجنا من المحطة سائرين نحو المدينة. كانت البنايات والدكاكين كلها من الطين وعلى طابق واحد. كان الجامع الكبير(وربما كان الجامع الأول في كوباني حينئذ) من الحجر الأبيض الذي اصفر مع الزمن. مقابل الجامع كان يقع دكان عمي صالح.

قبل الوصول إلى دكان عمي كان هناك ماء نبع يأتي من الغرب ويسير باتجاه الشرق حيث الأشجار الكثيفة التي كانت تمنع رؤية الطرف التركي. رحب بنا عمي. وبعيد فترة أغلق دكانه وسرنا في الشارع الوحيد عائدين إلى بيته. كانت الأضواء حينها تنبثق من اللمبات الصفراء، وتضيء بشكل خفيف, وتحوم حوله الكثير من الفراشات والبعوض. الظاهرة المباشرة التي كانت تلفت الانتباه هي عدم وجود النساء في الشارع. وما كنت تجد أي رجل يلبس البنطال. كان بيت عمي يقع حوالي المنطقة التي سميت مؤخراً بحي الشهباء. في الصباح سمعت صوت الديكة كما هو الحال في القرية.

عمي لم يكن له أبناء شباب. فذهب بنفسه إلى السوق وجلب لنا خبز كوباني ولبن وحلاوة. كان خبز كوباني مشهوراً, وهو على نمط خبز ديار بكر الحالي. كان على شكل لسان البقرة بحجم أكبر. في الحقيقة كان خبزاً أطيب من خبزنا في القرية. وفيما بعد كلما كان والدي يذهب إلى كوباني كنت أطلب منه أن يجلب لنا خبز كوباني.

عند العودة بالقطار إلى القرية انتظرنا طويلاً في المحطة. ما اضطرنا الذهاب إلى مقهى كرمان الأرمني القريب من محطة القطار. أوصاه والدي أن يطلب لنا الأكل. وكان الأكل كباباً. وأكلت لأول مرة في حياتي الكباب.

في المرة الثانية زرت كوباني كنت في الصف الثاني الابتدائي. جئت مع أمي وزوجة عمي بالبوصطه لتعزية أولاد عمتي صالحة التي توفيت حينئذ. كان أولاد عمتي اثنان يسكنان في المكتلة القديمة. وهما مصطفى شكو (متوفى) ونوري شكو مازال حياً. في الليل كنت أخرج مع شاهين بن مصطفى شكو إلى تلة وننظر إلى كوباني من بعيد. كانت الأضواء صفراء خافتة تشبه النجوم ومتباعدة. في اليوم التالي ذهبنا إلى المدينة واشترت لي أمي محفظة كتب لكوني طالب مدرسة. وقد فرحت كثيرا بتلك المحفظة. وفي القرية عندما كنا نذهب إلى المدرسة ونعود منها كنت أنا وأخي الأصغر مني نتناوب في حمل المحفظة. وكنا نتحايل على بعضنا بعضاً في حمل المحفظة عند الخروج من القرية إلى المدرسة والعودة منها.

عندما جئت إلى حلب لدراسة الثانوية. صدف مرة أنني أردت العودة إلى القرية. كان عليّ أن أستقل باصاً إلى كوباني ومنها أركب جيباً لأصل إلى الضيعة. كانت كل الكاراجات حينئذ في حلب موجودة في باب الفرج. وهناك سألت الدلال عن باص كوباني. كان الدلال يصرخ بأعلى صوته (عين عرب..عين عرب..) لكنني قلت له أريد السفر إلى كوباني وليس إلى عين العرب. فقال هي كوباني وهي عين العرب. وحينها عرفت لأول مرة أن اسم كوباني هو عين العرب أيضاً.

وصلت إلى كوباني مساء. وكان الجيب الذي يذهب إلى منطقتنا قد غادر المدينة، فاضطررت إلى المبيت. لكنني لم أكن أعرف أحداً في المدينة. لا أدري كيف استفسرت من أحد المارة عن فندق المدينة. فدلني على الفندق الوحيد الذي كان موجوداً حينئذ. كان الفندق من الطين والتخوت من الحديد. أعتقد أن صاحب الفندق كان أرمنياً, لأنه كان يتكلم بلغة كردية مكسرة.

لقد تغيرت كوباني منذ مئة عام. فمن بلدة شبيهة بالقرى تحولت إلى مدينة كبيرة نسبياً. كان الطابع العشائري سائدا, وكانت عائلة البيكوات تتحكم بها سياسياً واجتماعياً. يحكى أن هذه العائلة فرضت على النساء أن بلبسن العباءة العربية عند الخروج من البيت. وهو لباس عربي غريب على المجتمع الكردي. في الوقت نفسه, فقد وقفت هذه العائلة مع الحركة الوطنية السورية ضد الفرنسيين. كان والدي يقول إن الفرنسيين أحرقوا قصر حرجو بيك انتقاماً لموقفه المعادي لهم.

اشتهرت كوباني بأكلها الطيب. ويبدو أن سكانها تأثروا بالأرمن الذين وفدوا من تركيا إلى (كوباني)عين العرب هرباً من الظلم العثماني. وكان الأرمن مشهورين بأكلهم الطيب. فلغاية الخمسينيات ما كنت تلاحظ الخلاف بين مدينة سروج في تركيا وكوباني. أتذكر أن والدي كان لغاية الستينيات يؤمن مونة البيت من السلع التركية. فكان يشتري من كوباني دبس عنتاب وجميع الحلويات المجففة, إلى جانب الفليفلة الحمرة والسماق وغيرها.

عموماً لم تتجاوز عين العرب الطابع العشائري حتى الآن. فإذا استثنينا بعضا المثقفين من الأطباء والمحاميين وأساتذة المدرسة, فما زال الناس يعرفون بعشائرهم. ومعظم الخلافات تأخذ في النهاية الطابع العشائري. وما زال هناك أحداث القتل بدافع الثأر والشرف. لكن المسألة خفت نسبياً في السنوات العشرين الأخيرة.

أما في السنوات الأخيرة حدثت نهضة تعليمية مهمة في كوباني, وخاصة على صعيد تعليم البنات. فاليوم توجد المئات من بنات كوباني وقراها في جامعة حلب. وقد أثر ذلك على بنية تفكير الرجل الكردي الاجتماعية. فأصبح أكثر تسامحاً في تدريس البنات. بل قد يستغرب زائر كوباني أنه يلتقي في الشارع بالبنات وهن يلبسن الموديلات الحديثة. كما سيلاحظ أنه يعرض في واجهات المحلات غالبية الموديلات الحديثة من ملابس النساء. إن هذه الظاهرة لن تجدها في البلدات الشبيهة بحجم كوباني إلا إذا كان سكانها من المسيحيين أو العلويين أو الأرمن. لقد أصبحت البنت المتعلمة مرغوبة للزواج أكثر من الأمية. زد على ذلك أن العديد من شبان كوباني خرجوا خارج سوريا. ولا سيما إلى أوروبا وشمال أفريقيا للعمل والدراسة. وعندما يعودون فإنهم يحملون نوعاً من الانفتاح الفكري والاجتماعي. مما ساعد على خروج الشاب الكردي من أحادية التفكير, وأصبح يتقبل الآخر أكثر من السابق.

إن الشبيبة في كوباني لديها قدرة كبيرة على العطاء في مختلف المجالات الاجتماعية والثقافية, لكن الفقر هو الذي يستنزف كل قواهم, خصوصاً في السنوات الأخيرة التي أصبح الجفاف هو السائد.

لو قامت الدولة بمشاريع إنمائية متعددة في المنطقة, لكان التطور يسير بوتيرة أسرع في مختلف المجالات, ولكانت كوباني اليوم أكثر تطوراً.

إن المدن سعرها بسعر الكائن الحي لا تقبل الجمود. وهي مع الزمن تكون لنفسها هويتها الخاصة. فكما تفرق بين إنسان وآخر من خلال ملامحه وطريقة تفكيره وعاداته فالمدن أيضاً كذلك. ولكوباني هويتها الخاصة منذ تكونت. فهي مدينة التسامح بين الأديان والقوميات. وكل من جاء إلى كوباني موظفاً كان أو أستاذا أو قاضياً خرج منها وهو يمدح بصدق طبيعة سكانها الذين يحتضنون الغريب ويفتحون له بيوتهم وصدرهم. إنهم يصادقون بشهامة وكذلك يعادون بشهامة.

فإليك يا كوباني, في ذكراك المئوية, محبتي وانتمائي.

Facebook comments:

comments

You must be logged in to post a comment.