كوباني كورد، يتابع الحداد على الدماء السورية الطاهرة، وعلى شهداء الوطن لثورة الحرية
!~المنشورات الحصرية~!
آخر المشاركات


العودة   مجتمع شباب كوباني > >
التسجيل تعليمات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملاحظات

الأدب|إبداع خاص| قصة، شعر، مقالة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 2011-03-29, 11:30 AM مصطف عبدي غير متواجد حالياً
الصورة الرمزية مصطف عبدي
مصطف عبدي 
The Godfather
 






مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً

إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي

الدُّرُّ الثَمِين

في

شرح مَمْ و زين


بعد طول عناء، وفترة انتظار طال مداها، استطعت أن أحصل من الأديب jan dost على حقوق نشر كتابه القيم( الدر الثمين في شرح مم وزين)


طبعاً لن أكتب كثيراً في العرض أو الشرح بل سأترككم مع الكتاب، ومع العرض....وهنا أود تقديم كلمة شكر كبيرة الى الكاتب Jan dost والى رحلة الصيف القادمة.






قبل ذلك أود الاشارة الى منشورين يخصان المنتدى اتمنى من الاعضاء العودة اليه اذا كانت هنالك حاجة:
مدونة الأديب: ژان دوست Jan dost



الدليل المفهرس إلى قراءة ديوان ( ممو زين ) لأمير الشعراء أحمد خاني
توقيع  مصطف عبدي

 

" كن صامتاً أغلب الأحيان، ولا تقل إلا ما هو ضروري، وبقليل من الكلمات، وفيما ندر إن توفرت لك فرصة الكلام، تكلم ... لكن لا تقل أول شيء يأتي بخاطرك"

لـمشاهدة جميع مواضيع مصطف عبدي

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2011-03-29, 11:34 AM مصطف عبدي غير متواجد حالياً
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي


مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي
افتراضي رد: الدُّرُّ الثَمِين في شرح مَمْ و زين(حصريا من الكاتب على منتديات كوباني)
الدُّرُّ الثَمِين
في
شرح مَمْ و زين
الطبعة الثالثة مزيدة و منقحة



ئه مان قه دري بزانن ئه م كتيبه
له دونيا ئيسته كي هه متاي نه ماوه
حاجي قادر كويي




مقدمة الطبعة الثالثة*

Dilê Xanî eger çi gencexane
Şukur qet kes nego Xanî bi çendan

كان لا بد لهذه المقدمة لأسباب كثيرة, فقد نفدت نسخ الطبعة الأولى حتى أنني حصلت بعد جهد بالغ على نسخة من الكتاب بعد قدومي إلى أوروبا عام 2000. أما نسخ الطبعة الثانية التي نشرتها دار الكنوز الأدبية في بيروت و برعاية مباشرة من المفكر الراحل هادي العلوي فلا أعلم مصيرها. هذا و قد كانت الطبعتان السابقتان تحملان أخطاءً مطبعية كثيرة, و كان إخراج الطبعة الأولى سيئاً للغاية. كما أنني كنت قد زللت في مواطن كثيرة نبهني إليها أصدقاء مخلصون و دلَّني عليها نقاد جادون و قراء واعون. و بالرغم من أن أحداً لم يكتب عن ترجمتي لهذه القصة الشعرية الخالدة أعني مم و زين في أي مجلة أو جريدة فإن الملاحظات التي وردتني من هنا و هناك أعطتني صورة واضحة عن حجم الآراء الخاطئة التي أقحمتها في الشرح و الترجمة.

لقد كانت أمور عديدة بحاجة إلى تعليق و لم أعلق عليها إما جهلاً مني أو كسلاً أو سهواً أحياناً, لكنني استدركت في هذه الطبعة ما فاتني في السابقتين فأضفت أموراً تغني البحث سيجدها القارئ مبثوثة في غضون الترجمة و ثنايا التعليقات و خلال شرح المفردات. كما ألحقت بهذه الطبعة فهرساً شاملاً للأعلام و الأماكن و أسماء النباتات و الحيوانات و الأسلحة و المصطلحات الموسيقية مما يوفر على الباحث في مم و زين عناء البحث عن غريب المفردات و المصطلحات التي وردت في هذا السِّفْر الخالد. و لقد كتبت دراسة موجزة عن حياة الشاعر أحمد خاني و نتاجاته و ركزت على كتاب مم و زين مثيراً مواضيع عديدة أرجو أن ينتبه إليها الباحثون فيوسعوا فيها. و لم أشأ الخوض في الحياة الشخصية للشاعر لأن ما قام به الفاضل عبد الله محمد ڤارلي من كردستان الشمالية و غيره ممن نبش في الجانب المخفي من تلك الحياة يغني الباحثين , لكنني ركزت على الأحداث الهامة التي عاصرها الشاعر و أزعم أنه تأثر بها و حاولت أن أرسم البيئة التي نشأ فيها الشاعر و المناخ الذي رافق مسيرته الأدبية و الأسباب التي دفعته إلى حمل الراية القومية و التبشير بـ(الكردايتي) و الدعوة لبناء دولة مستقلة قائمة على الفضيلة و القوة.
أما بالنسبة لأمور كثيرة قد ترد في هذا الكتاب دون إسناد أو إحالة فإن في كتاب العقد الفريد ما يُبَرِّرُ هذا الأسلوب إذ يقول ابن عبد ربه في المقدمة: و حذفت الأسانيد من أكثر الأخبار طلباً للإيجاز و الاستخفاف و هرباً من التطويل و التثقيل, لأنها أخبار ممتعة و حِكَمٌ و نوادر لا ينفعها الإسناد باتصاله و لا يضرها ما حذف منها , و قد كان بعضهم يحذف إسناد الحديث من سُنَّةٍ متَّبعة و شريعة مفروضة, فكيف لا يحذفه من نادرة شاردة و مثل سائر و خبر مستطرف؟!.
و إنني مدين في إعادة طبع الكتاب بصورته الجديدة المنقحة إلى كثير من الأصدقاء و الخلان الذي أمدوني مشكورين بملاحظاتهم و آرائهم, كما زودني بعضهم بمراجع مهمة استفدت منها كثيراً.. أما فضل الباحث الراحل و المفكر المناضل هادي العلوي فكثير, إذ شجعني على إعادة الطبع و أصر على أن يصبح هذا الكتاب من الكتب الشائعة في المكتبة العربية حتى لا يفوت الإخوة العرب فكر هذا الكردي النيِّر فهو في المحصلة ابن الشرق و نتاجاته ملك شعوب المنطقة بل و العالم أجمع. و قد تفضل الراحل العلوي بكتابة مقدمة للطبعة الثانية نثبتها في هذه الطبعة نظراً لأهميتها و وفاء لذكرى كاتبها الذي ناصر قضايا الكرد حين غضَّ الكثيرون الطرف عما ارتكبه المجرمون في كردستان.
إن هذا الكتاب ينتمي إلى الكتب العظيمة التي غيرت مسارات التاريخ و للأسف لم يبدأ الكرد الاهتمام به إلا مؤخراً, أقصد الاهتمام الذي يليق به ككتاب يستحق الدراسة و البحث و التنقيب فيه على كافة المستويات, فهو ليس ديوان شعر فقط, كما أنه ليس قصة حب و حسب, و ليس كتاب تصوف أو فلسفة أو فلك. إنه موسوعة تضم معظم المعارف المتداولة في العصور القديمة, ففيه الطب و الفلك و الموسيقى و التصوف و الدين و الفلسفة و الفن القصصي و فنون البلاغة و الإلهيات و الفكر التجديدي و التنويري. و قد صاغ الشاعر كل ذلك في كتاب شعري أراده هو أن يصبح كتاباً للكرد حتى لا يقول الناس: إن الكرد لا يملكون كتاباً!!
إن قصد الشاعر من أنه جاهد ليصبح الكرد أصحاب كتاب, هو في اعتقادي محاولته وضع هذا الكتاب حتى يكون مشروع نهضة يسير عليه القادة الكرد و المثقفون, فالكرد كانت لهم كتب بدون شك و لكنها لم ترق إلى مستوى الكتب التي تثير الأسئلة الكبرى و ترسم الملامح الواضحة لفكر ثوري بمعنى الثورة الشامل و العام.
لقد حاولت في شرحي و ترجمتي أن أكون قريباً من فكر خاني و رؤاه العديدة و لذلك فقد ركزت على اللغة التي أتى بها خاني و لم أدخر أي جهد في البحث في بطون الكتب عن كلمة هنا و كلمة هناك, فقد كان فهم معنى الكلمة في كثير من الأحيان المفتاحَ السحري لفهم البيت و حتى المقطع بكامله. و لكن سيبقى العمل ناقصاً و لا بد من الأخطاء, و الذي أرجوه من القراء و الباحثين أن ينبهوني إلى التقصير فهم بذلك يساهمون في هذا العمل الذي أرجو أن أكون قد قدمت به الجزء اليسير مما يجب علي تقديمه لأمتي.

جان دوست
ألمانيا 27 11 2005



ملاحظات لقراءة متقنة:
النص قديم و لذلك اعتمدت التشكيل أي وضع الحركات على الأحرف ليتمكن القارئ من القراءة الصحيحة. و تكاد تكون الكلمات مجرورة أي محركة بالكسرة دائماً, مثل:
أَزْ مامَه دِ حِكْمَتا خودێ دا كُرْمانجِ دِ دَوْلَتا دنى دا
إن الجيم في كلمة كرمانج يجب أن تكون ساكنة, لكنها حُرِّكَت بالكسر لضروة الوزن. كذلك يجب التنبيه إلى أن الحرف المكسور لا يلفظ كما يلفظ الحرف المكسور في اللغة العربية, بل كما يلفظ الحرف في الكلمة الكردية المكتوبة بالأبجدية اللاتينية, مثل دِ دَوْلَتا دِنى دا
فهي هكذا: di dewleta dinê da
كذلك الضمة تلفظ مثل حرف U و الفتحة مثل حرف E. و كذلك فقد كتبت حرف الجر بِ منفصلاً عن الكلمة هكذا: بِه لاعتقادي أنه أنسب و أسهل للقراءة و كذلك حرف الجر لِ فقد فصلته دائماً عن الكلمة و كتبته هكذا: لِه.
الحروف العربية ض. ظ. ذ تُلفظ زاياً, و الحرفان ص. ث يلفظان سيناً.
إن مترجم الكتاب يكون شاكراً لكم إذا تفضلتم و كتبتم له آراءكم و انتقاداتكم على العنوان التالي:
[email protected]


توقيع  مصطف عبدي

 

" كن صامتاً أغلب الأحيان، ولا تقل إلا ما هو ضروري، وبقليل من الكلمات، وفيما ندر إن توفرت لك فرصة الكلام، تكلم ... لكن لا تقل أول شيء يأتي بخاطرك"
    رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [ 3  ]
قديم 2011-03-29, 11:36 AM welato غير متواجد حالياً
welato
:: المترجم ::
الصورة الرمزية welato


welato شخص رائع حقاًwelato شخص رائع حقاًwelato شخص رائع حقاًwelato شخص رائع حقاًwelato شخص رائع حقاًwelato شخص رائع حقاًwelato شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى welato إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى welato إرسال رسالة عبر Skype إلى welato
افتراضي رد: الدُّرُّ الثَمِين في شرح مَمْ و زين(حصريا من الكاتب على منتديات كوباني)
ايه وينك من زمان يا رجل

مشكور مصطف أبو دلشاد على الجهد الذي بذلته في إخراج هذا العمل النفيس إلى نور المنتدى

شكراً لقلمك جان وإنا لفخورون بك أديباً وإنساناً


توقيع  welato

 

sensiz sabah olmuyor

HERŞEYIMSIN
    رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [ 4  ]
قديم 2011-03-29, 11:47 AM مصطف عبدي غير متواجد حالياً
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي


مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي
افتراضي رد: الدُّرُّ الثَمِين في شرح مَمْ و زين(حصريا من الكاتب على منتديات كوباني)
حياة الشاعر أحمدى خانى Ehmrdê Xanêولد الشاعر عام ألفٍ و واحدٍ وستين للهجرة أي عام ألفٍ و ستمئة و واحد و خمسين ميلادي في مدينة بايزيد الواقعة الآن في الزاوية الشمالية الشرقية من كردستان الشمالية و من المحتمل أنه تلقى علومه الأولى في المدارس و الكتاتيب التي كانت موجودة على طول التاريخ الإسلامي لصق المساجد و على أيدي الشيوخ و الملالي, و لا شك أن العلوم الأولية التي تلقاها خاني لم تتجاوز قراءة القرآن مع قليل من علم التجويد, و بعض السيرة النبوية مع الأربعين حديثاً التي اختارها الإمام النووي لطلبة العلم, و دروساً مبسطة في العقيدة و كتاباً في الصرف و آخر في النحو مع قليل من علم المنطق و الفقه.فهذا هو المنهاج الذي يبدأ به طالب العلم الشرعي أو (فَقَه) تحصيله العلمي في كردستان إلى الآن.
إن المعلومات عن حياة خاني و أسفاره و درجات تحصيله العلمي و مشايخه تبقى باهتة بالرغم من كشوفات الأستاذ الفاضل عبد الله ڤارلي الأخيرة, فهو قد أكد أن خاني من عشيرة خانيان التي نُسِبَتْ إلى قرية خان الواقعة جنوب ولاية هكاري و هو ينتمي إلى أسرة كريمة كانت لها علاقات و طيدة بالأمراء و رجال الدولة. و أن هذه الأسرة انتقلت في بدايات القرن السادس عشر الميلادي إلى بايزيد و استقرت بين عشيرة محمودي و في القلعة المسماة دوزه سور, ثم انتقل رستم كبير هذه الأسرة و جد والد الشاعر أحمد خاني إلى بلدة بايزيد نفسها فاستقبل بحفاوة من لدن الأمير وقتذاك.
كان والد الشاعر إلياس كاتباً في ديوان أمير بايزيد و يبدو أن خاني فقد أباه في طفولته فنشأ يتيماً في كنف شقيقه الأكبر قاسم و كان له من الأخوات ?َري و ?ُليزَر و كَتان, أما أمه فكانت تسمى ?ُلْني?ار. استلم شقيقُه قاسم منصبَ أبيه فأصبح منشئاً في ديوان حمِه(والد زوجته) الأمير محمد لفترة وجيزة حيث تمت إقالته من منصبه فعاد إلى محل سكنى الأسرة الخانية القديم في قلعة دوزه سوره إلى أن توفي هناك.
و حسب المعلومات التي حصل عليها ڤارلي فقد كانت الأسرة أسرة علم و أدب, و لم يكن خاني الشاعر الوحيد فيها بل كان عمه و ابن عمه من الذين لهم آثار بقيت إلى الآن.
و قد شغل الشاعر منصب الإنشاء في ديوان الأمير محمد( الذي كان ابن ابن خاله) في بايزيد في مرحلة مبكرة من شبابه, إلى جانب اشتغاله بالإمامة و التدريس في مسجد بايزيد الذي يسمى الآن مرادية.(1)
و تتفق الروايات على أنه قضى بقية عمره في المدينة حتى توفي فيها لكن ثمة اختلافات لدى الباحثين في سنة وفاته لا مجال لها هنا الآن.(5)
و مهما يكن من أمر هذه الحياة , فإننا نستشف من خلال أثره (مم و زين) و أشعاره و نتاجاته الأخرى نتفاً من أسلوب الحياة و نمط التفكير لدى الشاعر, كما نستطيع تقسيم حياته إلى ثلاث مراحل افتراضية وهي:
1 ـ مرحلة الدراسة.
2 ـ مرحلة الوعي والتبشير بالفكر القومي التحرري.
3 ـ مرحلة اليأس والانكفاء.
إن المرحلة الأولى لا تحتاج إلى أدلة و براهين فمن البديهي أنها المرحلة التي لا بد منها لكل طالب علم في كردستان و العالم الإسلامي آنذاك, و من الطبيعي أن يسافر الشاعر إلى مدن و حواضر كثيرة طلباً للعلم و سعياً وراء عالم طبقت شهرته الآفاق و للأسف فإننا إلى الآن لا نملك معلومات عن شيوخه وأساتذته في تلك المرحلة. لقد بدأ وعيه ينمو في هذه المرحلة باضطراد و نرجح أن الحديث عن الاستعباد و ظلم العثمانيين كان شائعاً في الأوساط الكردية المتنورة و نقصد بها بعض رجال الدين والأمراء المتنورين, ونعتقد أن خاني لم ينشأ في فراغ فكري فهو لم يكن طفرة جاد بها الزمان الكردي البخيل. بل نقول إن فكره تبلور في معمعان أفكار متقاربة كثيرة ترى في الوجود العثماني في كردستان عبئاً لا يُحْتَمل و تنظر إلى حروب الإمبراطوريتين العثمانية و الصفوية على أنها حروب تضر بالدرجة الأولى الشعب الكردي الذي يشكل برزخاً فاصلاً بينهما و كل طائفة من هذا الشعب تلعب دور أقفال تسد الثغور في وجه الجيوش التي تتحارب على أرض كردستان.
لقد كان ثمة إمارات كردية عاصرها الشاعر و لعل أهمها إمارة بدليس التي كان عمر خاني أربعة أعوام حينما هاجمها والي بغداد أحمد ?اشا بجيش جرار و قضى عليها مما دعا الأمير الكردي عبدال خان إلى ترك بدليس لتصبح عُرضة لنهب الباشا المذكور و أعوانه (6)
بدون شك كانت الأحداث تتسارع في كردستان و كانت الصراعات الدامية حتى بين أبناء الأسرة الواحدة و العشيرة الواحدة تؤثر في الشباب الكردي الذين هم من طينة خاني فيقض مضجعهم تمزق القبائل الكردية و انشغالها بحروبها الصغيرة مما يشجع العثمانيين على الاستفراد بها قبيلة قبيلة و إمارة إمارة , و قد ظهرت بجلاء واضح أصداء تلك الأحداث في مقدمة مم و زين حيث نجد الشاعر وصل مرحلة الوعي بالذات و تحليل بنية هذه الذات و أسباب تشظيها مما دعا الباحثين إلى تتويجه رائداً للفكر القومي الكردي و مؤسساً للكردايه تي(Kurdayetî) . لكننا يجب أن لا ننسى أن آخرين قد سبقوا خاني في هذا المضمار و من أهمهم شرفخان بدليسي صاحب شرفنامه, لكنه لم يَرْقَ إلى مستوى وضوح شاعرنا و شمولية فكره, و سنعود لاحقاً للكتابة حول هذا الموضوع.
و بدأ خاني بوضع اللمسات الأولى لمشروعه القومي الكبير , فكتب لأطفال الكرد قاموسه الشهير( نُوبهارا بِ?ُوكان) و (عَقيدا إيمانى) و هو بذلك حاول تكريد الدين و الثقافة و تيسيرهما للشباب الكردي, لكنه مع الأسف اصطدم بالأمير ميرزا الذي لم يعره أدنى اهتمام لذلك نراه يقول بمرارة:
إن حاكم العصر المتصف بالمعرفة, لم يعرني اهتمامه
فلو جاد عليَّ مرة بنظرة واحدة, و منحني إكسير توجهه المبارك
لتحولت هذه الأقوال كلها أشعاراً و هذه الفلوس كلها دنانيرَ.
(مم و زين الأبيات 274, 282, 283)
و يبدو أن الشاعر المحبط كان يعقد آمالاً كبيرة على الأمير و ينظر إليه على أنه المنقذ المرتقب الذي عليه أن يلم شعث القبائل المتفرقة تحت راية واحدة و من ثم يقطع الحبل السُّرِّيَ الذي يربط الأكراد بالآستانة. و لما كان لذلك الأمير اهتمامات أخرى لا تشبه اهتمامات شاعرنا, فإنه لم يلق بالاً لأفكاره, و إننا لنتخيل الأمير قائلاً في مجالسه الخاصة لبطانته: ما لهذا الرجل لا يتركنا و شأننا؟! أيريد أن يجعل من إمارتنا بدليس أخرى!!
و في المقابل يمكننا تخيلُ خاني وحيداً حزيناً يائساً في حجرته, ساهياً ساهراً على ضوء شمعةو يستغرب عدم تفهم الأمير لطروحاته الواضحة و يتجرع مرارة اغترابه عن عصره و مجتمعه و مدينته.
لقد تقدم الشاعر بعمله الرائع إلى الأمير الذي ربما لم يكلف نفسه حتى عناء قراءة العمل, بل رده رداً جافاً غير مدرك ما يقوله هذا الشيخ الأربعيني الذي لا يستطيع أحد إنكار سيماء الأنبياء المرتسمة على محياه الحزين.
لقد خاب أمل الشاعر المفكر إذاًً, و آن له أن يجمع أوراقه و دفاتره و ديوانه الذي سهر الليالي على كتابته و تنقيحه بدافع من الأمل في تحقيق طموحه الكبير بتبني الأمير مشروعه النهضوي, لقد آن له أن يودع حياة الأمل و ينكفئ يائساً في حجرته الصغيرة في مسجد بايزيد الجالسة بخشوع في حضن أرارات الحكيم الصامت, آن له أن يدخل مرحلة اليأس و اجترار الألم مدركاً أن إبداعه الأدبي و فكره القومي طموح فردي بحت و سابق لأوانه. إستوعب أن مشروعه النهضوي مشروع فرد مستنير في سبيل إيقاظ أمة تتخبط في الظلام و كانت الطامة الكبرى أن معظم الناس لم يستسيغوا أفكاره و أشعاره فقال بمرارة:
لا أحد قال يا خاني شكراً
مع أن قلبه كنز من الكنوز(7)
المناخ العام في عصر خاني
أولاً: الأجواء السياسية و العسكرية في كردستان و العالم
أسفرت معركة ?الديران التي جرت في آب من العام 1514 بين قوات الشاه إسماعيل من جهة و قوات السلطان سليم من جهة أخرى, عن نصرٍ حاسم و مدوٍّ للسلطنة العثمانية على جارتها العدوة اللدودة الصفوية.
و ما يهمنا في هذا المقام من نتائج هذه المعركة الفاصلة هو وقوع كامل ولاية ديار بكر بما فيها مدن ماردين و أورفة و الرقة و الموصل في القبضة العثمانية بعد أن كانت تعتبر مناطق تابعة للنفوذ الصفوي. و مذَّاك دخل الكرد في طاعة آل عثمان بشرط بقائهم تحت حكم رؤساء قبائلهم مباشرة.(8)
لقد كان الأكراد قبل المعركة بسنوات قد انقسموا قسمين أحدهما موالٍ للصفويين و الآخر للعثمانيين, و كان أحد عظماء الكرد( و هو الملك خليل صاحب حصنكيف) في الطرف الصفوي و متزوجاً من أخت الشاه إسماعيل.(9).. و اشترك في المعركة قواد أكراد مشاهير حسب ولاءاتهم فكان قسم يؤازر الشاه و قسم آخر يؤازر السلطان, و من الذين كانوا في معية العثمانيين الأمير لاله قاسم و الأمير شرف أمير بدليس و خان محمد والي ديار بكر و قد قتل في المعركة. (10) بينما كان أمراء و جنود أكراد في الطرف الآخر يقاتلون و يُقتلون.
و يقول شرفخان بدليسي إن سبب وقوع معركة ?الديران هو التماس تقدم به أمراء كردستان عن طريق الشيخ إدريس البدليسي إلى السلطان سليم يعرضون فيها انضواءهم تحت الراية العثمانية بشرط استرداد ممالكهم المغتصبة(11).
لقد كان موقع كردستان الفاصل بين تينك الامبراطوريتين وبالاً على الشعب الكردي, فقد انقسم الكرد على أنفسهم و تشظت ولاءاتهم العسكرية و السياسية و أصبحت كردستان ميدان الحروب المفضل لدى طرفي النزاع, فعندما تستبد نزعة التوسع بالشاه, يغير بجيوشه على العثمانيين مستعيناً بأمراء و جنود من الكرد مخرباً بلاد الكرد سافكاً دماءهم. و حين يحلو للسلطان العثماني أن يعرض قوته يمر بجيوشه الجرارة على تلك المناطق فيبيد السكان و يهلك الحرث و النسل.و قد بقي الوضع العسكري متأزماً و النصر يتأرجح بين هذا الجانب و ذاك بينما الكرد هم الخاسرون الوحيدون في معارك ليس لهم من ورائها أي طائل.
إتفاقية قصر شيرين
بعد سلسلة طويلة من الحروب الدامية توصل الطرفان إلى عقد معاهدة سلام عام 1639 في قصر شيرين, و تم بموجبها ترسيم الحدود المتنازع عليها بين الإمبراطوريتين, حيث أعيد العراق إلى العثمانيين بينما أعيدت أريوان (يريڤان) إلى الصفويين.(12)
و من الملاحظ أنه منذ ذلك العام هدأت جبهات القتال على طول الحدود الشرقية و لعقود عدة شملت حياة خاني كلها, لكننا نجده يتحدث عن قدر الأكراد المحكومين بحروب الإمبراطوريتين الصفوية و العثمانية و كأنه عاين تلك الحروب و شاهد ويلاتها و مآسيها لأن أحداث تلك الحقبة كانت متوقدة في الذاكرة الجماعية و كانت النتائج الوخيمة لتقسيم كردستان و الصراع الدموي الطويل بين طرفي الحرب و بين أمراء الكرد أنفسهم هو الذي جعل خاني يتحدث عن الحروب و كأنها ما تزال قائمة لدى كتابته أبيات المقدمة(13)و مما لا شك فيه أن مخيلة الشاعر كانت مزدحمة بصور من الماضي الدامي لقرى و مدن و قبائل الكرد الموجودين في خط النار الإمبراطوري و كان اطلاعه على التاريخ الكردي من خلال شرفنامه الذي نرجح أنه كان من الكتب التي قرأها الشاعر و هو كتاب يعج بصور مؤلمة من مشاهد الصراع و الانقلابات السريعة في ولاءات الحكام و كذلك احتكاكه المباشر مع السلطات الحاكمة الكردية في بايزيد, يلقي بعضاً من الضوء على أبيات مقدمة مم و زين.
لقد جرت آخر المعارك الكبرى بين العثمانيين و الصفويين قبل مولد الشاعر بسنوات عديدة في عهد السلطان مراد الرابع حيث قاد هذا السلطان بنفسه حملة عسكرية عام 1635 إلى بلاد العجم فاحتل أريوان(روان, يريفان) ثم عرَّج على تبريز فاحتلها. و بعد سنة استعاد الصفويون أريوان . لكن السلطان الشاب أراد تحقيق نصر تاريخي على أعدائه فتوجه في العام 1638 بجيش عظيم إلى الشرق حيث احتل بغداد لتبقى ضمن حدود الإمبراطورية العثمانية إلى بدايات القرن العشرين, وبعد استعادة بغداد بسنة واحدة تم التوقيع على معاهدة قصر شيرين المشهورة و تحديداً في التاسع عشر من شهر أيلول عام 1639(14). و بنظرة واحدة على خارطة المنطقة نستطيع القول إن جيوش السلطان العثماني في تلك الآونة قد عبرت كردستان إلى تبريز و يريفان و بغداد و أن عبور الجيش في المنطقة كان يعني الكثير من الخراب و الدمار و سفك الدماء و نهب الأموال من شعب ليس له في تلك المعارك أي مصلحة.مما يدعونا إلى التأكيد بأن خاني الطفل كان يسمع القصص الرهيبة لأهوال الحرب من الذين عاينوها و من المغنين الشعبيين الذي كانوا يروون قصص الحرب و الفروسية بدون شك في ملاحمهم و أغانيهم. لقد كانت تلك المعاهدة وبالاً على كردستان الذي كان إقليماً كبيراً يبدأ من ساحل الخليج الفارسي إلى ولايتي ملاطية و مرعش و يحده من الشمال ولايات فارس و العراق العجمي و أذربيجان و أرمينيا و من الجنوب العراق العربي و ولايتا الموصل و ديار بكر(15).و لقد تفرغ العثمانيون للاستيلاء تدريجياً على المقاطعات الغربية في الامبراطورية الصفوية فدخل معظم كردستان في قبضة العثمانيين الذين بدأوا يطبقون سياسة المركزية التي رمت إلى كسر نفوذ الإمارات الوطنية(16).
و كان الكثيرون من الأمراء الكرد مع قواتهم منضوين تحت لواء الجيش العثماني الذي يغير على الإمارات الكردية المستقلة أو القبائل التي تعيش في الوديان السحيقة و السهول الفسيحة و لا تخضع إلا لسلطة زعمائها المباشرين, أما في الجانب الآخر حيث الصفويون فلم يكن الوضع بأحسن منه في كردستان الشمالية, فقد استخدم الشاه عباس الصفويُّ الكردَ و استغل بسالتهم في الحروب لضرب الأكراد أنفسهم و قد أمر الخان أحمدخان بن هلوخان الأردلاني الكردي الذي كان حاكماًً لكردستان بقمع المافيين و النانكليين و هم طائفة من الأكراد الذين قاوموا قوات الخان أحمد البالغة اثني عشر ألفاً من الجنود, لكنهم في النهاية تقهقروا و تمت إبادتهم في قلعة رواندوز التي تحصنوا فيها(17) كما قمع الشاه المذكور ثورة القبائل البرادوستية بقيادة ميرخان البرادوستي و أباد سكان قلعة دمدم الشهيرة في التاريخ و الفولكلور الكرديين عن بكرة أبيهم بوحشية(18) .كما استخدم الشاه عباس الكردَ دروعاً واقية لحدود امبراطوريته مع الأوزبك لذا أمر بنقل عدد كبير من القبائل الكردية من كردستان إلى حدود خراسان الشرقية ليكونوا بمثابة منطقة عازلة بين الأوزبك و خراسان, و لكي يتحمل هؤلاء الأكراد أي خطر قد تتعرض له المدن الخراسانية مستقبلاً(19).
و كما قلنا آنفاً فقد كانت الذاكرة الجماعية مليئة بأحداث محفورة بالنار و البارود و كانت الأغاني و الملاحم الفولكلورية التي تتحدث عن البطولات و الخيبات و المآسي هي التاريخ غير المدون للشعب الكردي يتناقله جيلاً إثر جيل. و قد صور خاني بوحي من ذلك التاريخ تلك الأوضاع في أبيات مفعمة بالمرارة فقال:
إن الطرفين(العثمانيون و الصفويون) قد جعلا الأكراد هدفاً لسهام القضاء
وكأن الأكراد أقفال على الثغور وكل طائفة منهم سد راسخ
ومن كثرة ما تتلاطم (أمواج) بحر الروم وبحر التاجيك، وتصطخب (أي :من شدة ما تحدث حروب بين العثمانيين والصفويين) .
يتلطخ الأكراد بالدماء، لأنهم كالبرزخ يفصلون بين الفريقين .
لقد عاش خاني فترة طويلة في بايزيد و توفي و دفن فيها, و لا يخفى للمطلع على الجغرافية السياسية للمنطقة آنذاك أن بايزيد تقع في خط النار و منطقة التوتر العسكري, و أن تنازع الولاء لإحدى الإمبراطوريتين كان يظهر بوضوح في تلك المناطق, كما أن الولاءات لم تكن ثابتة و قد التقط خاني رأس خيط المشكلة و بيَّن أن سبب العبودية التي يرزح تحت نيرها الشعب الكردي هو غياب حكم كردي مركزي مستقل و الذي يرجع بدوره إلى التمزق الأليم في صفوف الشعب الواحد فقال:
وهذه الحمية وعلو الهمة، هي التي أصبحت مانعاً لتحمل أعباء المنة
لذلك فهم أشتات متفرقون، دائمو العصيان والشقاق
لو كان لنا اتفاق، وكنا منقادين جميعاً (وراء راية واحدة أو قائد واحد) .
لدخل في طاعتنا الروم والعجم والعرب برمتهم .
كنا سنكمل الدين والدولة،و سَنُحصِّل العلم والحكمة
من هذا المنطلق, و من واقع الشرذمة و التمزق القبلي دعا الشاعر إلى الوحدة و الانقياد وراء زعيم شهم أبيٍّ ثم الثورة ضد العثمانيين و الاستقلال عنهم. و لم تكن هذه الدعوة تلميحاً أو خيطاً من ضباب الرموز يتخلل الديوان, بل كان تصريحاً لا مواربة فيه فقال: النخوة من الحكام و الأمراء, فأي طاقة للشعراء و العامة ؟
إن كل من جرد السيف بيد الهمة, حاز لنفسه دولةً برجولة.
أثر الأحداث الدولية في فكر خاني
عاصر الشاعر خمسة من السلاطين العثمانيين هم: محمد الرابع(1648_ 1687) و سليمانالثاني(1687_1691) و أحمد الثاني(1691_ 1695) و مصطفى الثاني(1695_1703) و أخيراً أحمد الثالث الذي توفي الشاعر أثناء حكمه و ذلك عام 1706 أو 1707 إذا ما اعتمدنا الرأي القائل: إن تاريخ وفاة خاني يعتمد على حساب الجمل في جملة طار خاني إلى ربه التي وجدت على شاهدة قبره.
لقد كانت فترة حكم هؤلاء السلاطين بداية لانحطاط و انحدار الامبراطورية العثمانية و أفول نجمها, فمع الهدوء الذي شهدته الميادين الحربية في الجبهات الشرقية, اشتعلت جبهات الغرب بنيران حروب متتالية أوهنت قوى العثمانيين و بدأت الإمبراطورية تشيخ و تتقلص حدودها رويداً رويداً, كما حدثت ثورات داخلية عديدة و عصيانات و تمردات دموية من قبل الانكشاريين.
ففي بداية حكم السلطان مراد الرابع عام 1649 قامت ثورة في آسيا الصغرى قادها رجلان يدعى أحدهما قاطرجي أوغلي و الثاني كورجي يني. ثم توالت الثورات في البلاد و اختل النظام حتى أصبحت الدولة العثمانية في مهب الريح(20) و صار عدم النظام نظاماً للدولة(21)
و في العام 1651 ثم احتلال جزيرتي تيندوسTenedos و لمنوس Lemnos الواقعتين عند مدخل الدردنيل من قبل اسطول البندقية, كما انهزمت القوات العثمانية شر هزيمة أثناء حصارها مدينة فيينا عاصمة النمسا, و تشكل إثر ذلك الحلف المقدس الذي جمع النمسا و بولونيا و البندقية و مالطا و روسيا بالإضافة إلى البابا, و قطعت العلاقات الطيبة بين فرنسا و العثمانيين و في سنة 1686 تم إخراج العثمانيين من مدينتي بودا و بست المجريتين, بعد ذلك و نتيجة هذه الهزائم تقرر عزل السلطان محمد الرابع و تولية أخيه سليمان الثاني الذي لم تكن فترة حكمه بأحسن من فترة حكم سلفه فقد استمرت المشاغبات من قبل الانكشارية و استمرت الحروب الخارجية حيث استولى النمساويون على بلغراد عام 1688 لتستعاد بعد قرابة عام, و في 1691 توفي السلطان سليمان الثاني و ارتقى العرش أخوه السلطان أحمد الثاني الذي اتسم عصره بالهزائم أيضاً فخسرت جيوشه معركة كبرى أمام النمساويين في Solenkemen و احتل البنادقة جزيرة ساقز عام 1694(22)حيث كان شاعرنا منكباً على كتابة مم و زين يستحث شعبه للنضال و الثورة ضد العثمانيين, فقد أدرك بحسه المرهف و ذكائه و قراءته الصحيحة للمرحلة التاريخية التي يعيشها أن العثمانيين يمرون بمرحلة ضعف و تراجع , و إن أي ثورة كردية بإمكانها أن تنجح لو استغلت الظروف استغلالاً مناسباً فالداخل يمور بالعصيانات و الجبهات مشتعلة و الهزائم تتلاحق و معظم الجيوش العثمانية زُجَّ بها في أتون معارك الخسران في الغرب. و لكن دعوة الشاعر لم تلق آذاناً صاغية بل على العكس لم يحظ سوى بالصد و عدم الاهتمام بشعره و بآرائه التحررية, و قد انعكس ذلك في مقدمة مم و زين على شكل أبيات تنضح بالخيبة و المرارة و اليأس فقال:
لو كان لنا صاحب ذو لطف وكرم .
و كان العلم والفن والأدب والمعرفة، والشعر والغزل والكتاب .
محط اهتمامه وقبوله .
لرفعت راية الشعر في أعالي السماء .
وبعثت روح (ملى جزيري) وأحييت بها (علي حريري) .
وأبهجت (فقيه طيران) كي يبقى مشدوهاً إلى الأبد .
إلا أن حاكم العصر المتصف بالمعرفة لم يعرني اهتمامه
هذا الأمير الذي اسمه (ميرزا) له نظرة إكسيرية
فهو يحول المعادن الخسيسة إلى جواهر نقية، ويقلب العملة الزائفة إلى (فلوري).
وبنظرة واحدة منه، يحول الفلوس الحمر- ولو كانت مئة حمل- إلى ذهب .
بقهره يضع من قدر الشرفاء، وبلطفه يرفع شأن الأصاغر
لو جاد علينا مرة بنظرة، ومنحنا إكسير توجهه المبارك .
لتحولت هذه الأقوال كلها أشعاراً، وهذه الفلوس كلها دنانير .
لكن نظرته عامة كثيراً لذلك لم يلق إليَّ بالاً .
ثانياً: المناخ الثقافي و تبلور الفكر القومي لدى خاني
لا شك أن أفكار خاني القومية ليست فقط وليدة الأحداث المحلية و الدولية و إنما تعود حسب رأينا إلى ينابيع نظرية اطلع عليها خاني و نهل منها ما شاء أن ينهل, و للأسف لا نعلم بالضبط ما هي الآراء التي كانت تطرح في الأوساط الثقافية المعاصرة للشاعر الذي كان بلا شك ظاهرة من الظواهر الثقافية التي يجب قراءتها ضمن سياقها التاريخي و في أسوأ الأحوال يمكننا اعتباره ممثلاً رائعاً لنمط معين من التفكير السائد في نهاية القرن السابع عشر الميلادي و بداياته.. و على هذا يجب البحث عن الأسس الفكرية التي بنى عليها خاني نظريته في القومية و الحرية و آراءه في الكون و الطبيعة و الله...إلخ.
إن هذا يقودنا إلى إلقاء نظرة سريعة على الخارطة الثقافية في تلك الأيام التي شهدت ميلاد هذا السفر الخالد.
لقد كانت اللغات السائدة آنذاك هي أولاً العربية بسبب كونها الوعاء الذي احتضن الحضارة الإسلامية و كانت لغة مقدسة , و ثانياً الفارسية و قد فرضت نفسها بعد أن صقلتها أجيال من المبدعين الفرس أثروا تأثيراً بالغاً على أدباء المنطقة الممتدة من الآستانة و حتى الهند. ثم التركية و كانت لغة الحكام المحتلين في كردستان. و أخيراً اللغة الكردية التي كانت تخوض معركة البقاء بأسلحة قليلة و فرسان أقل, و كان جيل من الشعراء قد دونوا أحاسيسهم بلغتهم المهملة و فتحوا الباب أمام الأجيال اللاحقة و اجتازت هذه اللغة امتحانها العسير بنجاح فظهرت أشعار الجزري و قصص فقى طيران الشعرية و غزليات علي حريري و تداولها الناس و حفظوها و تغنوا بها في مجالسهم مما ترك أثراً طيباً في النفوس و عززت ثقة المثقفين بهذه اللغة, و قد أشار خاني إلى هؤلاء الشعراء الثلاثة بالاسم في مقدمة مم و زين و تحسر على أن الأمير لا يتعاطى الأدب و لا يقبل بالمعرفة و العلم و أربابهما في ديوانه و لولا ذلك لأحيا خاني أرواح هؤلاء و أسعدها إلى الأبد.
كان خاني يتقن تلك اللغات الأربع وكانت معرفتها شرطاً لشغل منصب الإنشاء( وقد شغله خاني كما رأينا في عهد الأمير محمد), و قد فتحت هذه اللغات آفاق الثقافة الرحبة و المتنوعة فاطلع عبر العربية على التيارات الفلسفية و الفكرية و تأثر بالمتصوفين الكبار و الفلاسفة المسلمين و علماء الكلام, و عبر الفارسية اطلع على كنوز الثقافة الإيرانية بملاحمها و نثرها و أدبها التعليمي ....إلخ و لا شك أن الشاعر لم يهمل اللغة التركية بل اطلع من خلالها على أدب و تاريخ تلك الامبراطورية التي تحتل بلاده و تمزق أوصال شعبه فاختار لغته الأم ليستحث الهمم و يثير الحمية في نفوس الحكام و الأمراء و كأني به يدرك أن أسرع وسيلة للوصول إلى قلوب سامعيه و عقولهم هي مخاطبتهم بلسانهم( و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) سورة إبراهيم الآية 4.
لقد كتب الأمير المؤرخ شرفخان بدليسي أول كتاب في التاريخ الكردي باللغة الفارسية التي كانت كما أسلفنا في أوج مجدها و ذيوعها و كانت مسيطرة على الثقافة الشرقية آنذاك حتى حدود الهند, لكن خاني _ و اقتداء بسلفه الجزري و غيره_ لم يشأ ذلك و صرح في المقدمة أنه ترك الذهب( اللغة الفارسية الرائجة) و انكب مشتغلاً في النحاس(اللغة الكردية ) و كأني به يرد بذلك على شرفخان و كتابه التاريخي شرفنامه الذي نعتقد أن خاني اطلع عليه و تأثر به في أفكاره التحررية, و كان تأليف الكتاب قد أنجز قبل قرن من ظهور مم و زين, مما يدعونا إلى القول بأسبقية شرفخان و كونه واضع حجر الأساس في مدرسة القومية الكردية. لقد كان لدى شرفخان مشروع قومي كبير لم يلق النجاح( فقد سعى سعياً حثيثاً لبث روح الاتحاد و الوئام في الشعب الكردي....فدعا على قدر ما سمحت له الظروف و الأحوال حينذاك إلى تأسيس وحدة سياسية و تكوين جبهة مشتركة بين الحكومات و الإمارات الوطنية من الفدراسيون( الحكومات المتحدة) يكون مركزها مدينة جزيرة ابن عمر(جزيرة بوتان) و لكن هذه الفكرة السديدة حقاً لم تلق آذاناً صاغية من زعماء الكرد و أمراءهم).(23)

لقد عبر شرفخان بنفسه في مقدمة شرفنامه عن أهدافه القومية وراء تأليف ذلك الكتاب الهام, و بمقارنة الكتابين( مم و زين و شرفنامه) نستنتج أن الهدف من تأليفهما مشترك لدى الكاتبين, فكلاهما وضع نصب عينيه بعث جمرات مطمورة بالرماد و إحياء التراث الكردي المهدد بالضياع. و بالرغم من التقائهما في الهدف النهائي إلا أن هناك نقطة اختلاف جوهرية بين الإثنين, ففي حين توخى شرفخان بعث تاريخ الأسر الكردية الحاكمة التي توالت على الإمارات المستقلة في كردستان و( حتى لا يبقى صيت الأسر الكردية ذات الأثر الفعال في حياة كردستان العامة في حجاب الستر و الكتمان).(24) نجد أن غاية خاني هي أسمى من غاية سلفه شرفخان و أكثر وضوحاً و التصاقاً بالهوية القومية الكردية و الشخصية الثقافية المتمايزة فهو:

كيشايه جَفا ژِ بويي عامى

أي تجشم المصاعب في سبيل العامة, و لم يقل كيشايه جفا ژ بويي ميران: تجشم المصاعب من أجل الأمراء!!

كما أنه يقول أنه لم يؤلف هذه القصة لأنه خبير بأسرار الأدب بل تعصباً لبني قومه و عشيرته, و يوضح في رموز مفهومة أنه ترك صافي الخمر(اللغات الفارسية و التركية و العربية) و لم يكتب إلا بلغته الكردية المهملة كالثفل المترسب في قاع الكأس فنظم من دررها عقداً فريداً و نسقاً جميلاً حتى لا يقول الناس: إن الكرد يفتقرون إلى ثقافة أصيلة و هم محرومون من معرفة الحب و تذوقه.

إن الطريقة التي كتب بها هؤلاء الرائدان مقدمتيهما تدل على أن خاني تأثر بشرفخان في مجمل أفكاره القومية و على أن هناك قضايا هامة و ملحة كانت تشغل بال النخبة الثقافية في تلك القرون الغابرة و أهمها قضية الوحدة و الاستقلال!! لقد كان من الشائع في الأوساط العامة أن الكرد لن يتوحدوا لأن الرسول محمد دعا عليهم بذلك لما رأى من غلظة و جلافة مبعوث أوغوزخان التركستاني و هو بغدوز الكردي قائلاً: لا وفق الله هذه الطائفة (يعني الأكراد) إلى الوفاق و الاتحاد و إلا فإن العالم يهلك على أيديهم إذا ما اتحدوا!!.(25)

و يعقب المؤرخ شرفخان على هذا الحديث النبوي الموضوع بالطبع: و من ذلك اليوم لم توفق هذه الطائفة إلى تأسيس دولة عظمى متحدة و سلطنة كبرى موحدة.(26)

بطبيعة الحال لسنا مع المؤرخ في هذه النقطة و لن نصدق أن دعوة كهذه هي التي جعلت الكرد منقسمين على أنفسهم بين دول و إمبراطوريات, بل هناك أمور أهم بكثير بيَّن الكاتبان بعضاً منها. فيقول شرفخان( و لا يطيع الأكراد بعضهم بعضاً,فلا اتفاق بينهم و لا تعاون).(27) بينما نجد خاني يصوغ هذه الفكرة في بيت من الشعر قائلاً: إنهم أشتات متفرقون في جملتهم و دائمو التمرد و الشقاق!
و يقول شرفخان و هو يعزو التمزق إلى انعدام وجود قائد فذ: و لما كان الأكراد ليس بينهم الآن عموماً من يطاع أمره فيهم و يُنَفَّذ حكمه, فإن أكثرهم صاروا يسفكون الدماء و يستهترون بقواعد الأمن و النظام و إنهم يثورون لأتفه الأسباب(28) و يورد في مكان آخر من شرفنامه واقعة جديرة بالوقوف عندها طويلاً حيث طلب السلطان العثماني سليم خان من إدريس البدليسي بعد معركة ?الديران أن يختار الأمراء و الحكام الكرد من بينهم من يصلح لتولي منصب أمير الأمراء بحيث يخضع له الجميع فقال إدريس البدليسي: إن كل واحد يقول أنا لا غيري. و لا يطيع أحد الآخر!(29)و يوافق الشاعر خاني سلفه في هذه النقطة و يذهب أبعد من ذلك حينما يتمنى ظهور قائد مستقل يحكم دولة آمنة و يرعى الأدب و الفكر و يقوم بحرب استقلال ليلقي عن كاهل الشعب الكردي استعمار العثمانيين و احتلالهم البغيض لكردستان.
إن كلاً من هذين الرائدين يرسمان البنية النفسية ذاتها للشخصية الكردية و يقدمان الصفات العامة نفسها التي يتحلى بها الشعب الكردي, ففي حين يكتب شرفخان واضعاً إطاراً عاماً للكرد: و أكثر جماعاتهم موصوفون بفرط الشجاعة و التهور و وفرة المروءة و السخاء مع ما جُبِلوا عليه من الغيرة الشديدة و الإباء البالغ و الأنَفَة الزائدة(.....) فيلقون بأنفسهم إلى المهالك و يقحمون بها في المخاطر حتى لا يضطروا لِمَدِّ اليد إلى اللئام و الأنذال بطلب المساعدة و الإحسان(30).نجد أن خاني يكرر نفس العبارات شعراً, و لا أظن الأمر من باب التقليد أو سرقة الأفكار, بل من باب وقع الحافر على الحافر فقد اتفق الإثنان على صفات واحدة لأن الموصوف واحد. يقول خاني:
المروءة والهمة والسخاء، والرجولة والغيرة والصلابة
سمات للشعب الكردي، الذي ذاع صيته بسيف الهمة
وبقدر ما هم ذوو شجاعة وحمية، فهم نفورون من المنة
وهذه الحمية وعلو الهمة، هي التي أصبحت مانعاً لتحمل أعباء المنة
لذلك فهم أشتات متفرقون، دائمو العصيان والشقاق.(31)
بالإضافة إلى كتاب شرفنامه الذي نقول أن خاني اطلع عليه, فقد كان هناك كتب عديدة أخرى مهدتلبلورة الوعي القومي لدى الشعب الكردي, فقد كانت أشعار الجزري و فقى طيران و غيرهما تربة خصبة لنمو بذور ذلك الوعي لا لشيء بل لأنها مكتوبة باللغة التي كاد يطويها مر الدهور( يحدثنا شرفخان عن الأمير يعقوب بك بن محمد بك الذي كان رجلاً صوفي المشرب و له ولوع بالشعر و النظم, و له قريحة وقادة في ذلك فخلف أشعاراً تنطوي على الحقائق و معاني الوحدة المطلقة و أغلب أشعاره باللغة الكردية و قد يكون له فيها ديوان مجموع(32)
هنا أود الإشارة إلى نقطة هامة في التاريخ الكردي و هي أن الفكر القومي برز أولاً في بدليس و بايزيد و لم يبرز في مناطق كردية أخرى و حواضر ثقافية هامة مثل جزيرة بوتان و العمادية التي قال عنها شرفخان: هي منبع العلوم العقلية و مورد الفنون الأدبية و الشرعية(33). و السبب كما أراه هو أن بدليس و بايزيد كانتا في قلب الأحداث و خضم الصراع على النفوذ بين إمبراطوريتين بل بين ثلاث إمبراطوريات هي الصفوية و العثمانية و الروسية. و كان الناس في تلك المنطقة يتأثرون بحركات المد و الجزر للبحرين الهائجين الصفوي و العثماني(على حد وصف خاني) إذ كانوا ينامون في ظل إمبراطورية ليستيقظوا في ظل أخرى, و قد لعبت التغييرات المستمرة في الولاء و الدسائس و المعاناة و الآسي التي لحق بالشعب الكردي دوراً بارزاً في بلورة الأفكار القومية التحررية و الشعور المتنامي بالشخصية المستقلة لدى مثقفي الأكراد في ذلك الحين و منهم خاني و شرفخان. و في المقابل فإن الهدوء الذي نعمت به الإمارات الكردية في جزيرة بوتان و غيرها أدى إلى نشوء الأدب الكردي الذاتي إن صح التعبير فبرزت من هناك أصوات شعرية رائدة لكننا لا نجد فيها صدى للأفكار القومية, فالجزري مثلاً يتحدث عن كردستان عَرَضاً و لا نجد لديه اهتماماً بالقضايا المصيرية و الحيوية للشعب الكردي, بل على العكس نجده يعيش في جزيرة آمنة تقريباً منطوياً على ذاته التي يعبدها و لا هم له سوى ظهور حبيبته من النافذة ليراها و تقوم قيامته فيصف خصلاتها التي يعبث بها النسيم.
و ليس ما ذكرته الآن انتقاصاً من قيمة الشاعر الكبير الجزري أو غمطاً لحقه فمهما يكن من أمره و أمر غيره من الشعراء الذي عاصروه و مهما تكن مضامين أشعارهم فإننا لا ننكر أن أحد الدوافع إلى الكتابة باللغة الكردية هو الدافع القومي و أن مجرد الكتابةالكردية من قبل هؤلاء هو عمل خالد و مأثرة مجيدة. فالكتابة تعيد بناء الوعي و تقوي الشعور بالذات و لم يكن من العبث أن يمتلىء الجزري فخراً و يقول:
أنا وردة في حديقة بوتان أنا سراج ليل كردستان
و كان يحث الناس على قراءة شعره و ترك أشعار الشيرازي المكتوبة بالفارسية فقال:
إن كنت تبغي اللؤلؤ المنثور من النظم
فتعال و اقرأ شعر المُلا( الجزري) و دع عنك الشيرازي.
و يقول عبد الوهاب حسين الكرمي في كتابه نافذة على الأدب الكردي: كان هدفه من وراء الدعوة إلى قراءة شعره و الرجوع إلى جواهره توجيه القوم إلى حفظ تراثه و صونه عن النسيان و الإهمال , و لعله قد لاحظ في ذلك الزمن أن مثقفي قومه منصرفون إلى قراءة دواوين الشيرازي و الرومي فأراد أن يلفت نظر هؤلاء إلى دهة الشعر الكردي من خلال روائعه و بدائعه.(34)
لقد مهد أولئك الروادُ السبيلَ أمام ظهور شاعر كبير مثل خاني, و كان أعظم عمل اجترحوه هو الكتابة باللغة الكردية و الانتقال من الأدب الشفاهي و المنطوق إلى الأدب الكتابي و المدون مع أننا لا ننكر دور الاستقرار الذي نعمت به المناطق الكردستانية الشمالية بعد معركة ?الديران الفاصلة و قيام الشيخ إدريس البدليسي بتوحيد القبائل الكردية وضمها إلى الإمبراطورية العثمانية. لقد نشأ بعيد هذا الاستقرار أدب/ شعر متكامل ناضج ذو مستوىً عالٍ من البلاغة و القوة يدل بدون شك على أن محاولات عديدة قد سبقت نشوء هذا الأدب, و لا شك أن شاعراً مثل الجزري قد عاش في كنف أمير مشجع للأدباء فقد مدحه عبر قصيدتين قويتي السبك تذكراننا بأسلوب شعراء المديح الكلاسيكيين في التهويل و المبالغة و تضخيم الممدوح. كما نعثر في ديوان الجزري على قصيدة لاذعة يهجو فيها أحد منتحلي الشعر في بلدة فنك القريبة من جزيرة بوتان , كذلك نجد في ديوانه مساجلة شعرية بينه و بين أحد الأمراء الكرد و بينه و بين فقى طيران و هذا يدل على أن سوق الأدب كانت رائجة في ذلك الحين.
من جهة أخرى ساهم الشاعر المعاصر للجزري(فقى طيران) في إغناء الأدب الكردي بنتاجاته القريبة من ذوق الجمهور فكتب قصة شيخ صنعان الشعرية و قصة العابد برسيس بالإضافة إلى قصائد أخرى, و اشترك علي حريري في مرحلة التأسيس مما دفع خاني إلى ذكر هؤلاء الثلاثة في مقدمة مم و زين. و مما لا شك فيه أنه كان ثمة شعراء و أدباء آخرون ضاعت أسماؤهم و نتاجاتهم في لجج الحروب و عمليات السلب و النهب التي كانت تجري بين الفينة و الأخرى و لا أدل على ذلك من ورود اسم الشاعر و الأمير يعقوب بك في شرفنامه كما مر سابقاً.

لقد اعتمد خاني على هذا الإرث الثقافي المتواضع و استوعب الأدب السابق عليه بما حواه من ملاحم و قصص و أساطير و أمثال شعبية كما استوعب الذات القومية الكردية و الظروف التي أدت إلى حرمان الكرد من وطن قومي مستقل و بناء على ذلك تقدم بمشروعه الإحيائي إلى الأمير ميرزا فقوبل بالصد و الإهمال كما تقدم و لم ير الشاعر بداً من الانكفاء متجرعاً مرارة الخيبة و قد وصفها بصدق قائلاً:

ماذا أفعل و السوق كاسدة, و لا أحد يشتري ما نعرضه من قماش!!

و قال في قصيدة من قصائده:

إن طبع خاني صَدَفَة دُرِّ العرفان و لكن

ما الذي سيفعله صاحب المعنى إذا لم يكن هناك قارىء للمتون؟!

و قال في قصيدة أخرى:

لم يقل أحدٌ مطلقاً: شكراً يا خاني

مع أن قلبه موطن للكنوز!!
دراسة مختصرة في مم و زين

Ev name eger xirabe ger qenc

Kêşaye di gel wê me du sed renc

Da xelq i nebêjitin ku Ekrad

Bê marifetin, bê esl û binyad!


لم يلق أي كتاب كردي من العناية و الاهتمام مثلما لقيه(مم وزين) سواء من قبل الباحثين الأجانب في الأدب الكردي أو من قبل الباحثين الكرد أنفسهم فلقد طبع منذ بداية القرن العشرين و حتى الآن عشرات المرات و في أماكن مختلفة مثل اسطمبول و حلب و موسكو و أورمية و دمشق و بغداد و هه ولير و غيرها, كما ترجم إلى لغات عديدة منها الروسية و الفرنسية و العربية و الآذرية و التركية و ترجمت خلاصة منها إلى الألمانية(35).

و هذا الكتاب المؤلف من حوالي 2660 بيتاً شعرياً يعتبر الكتاب المقدس للقومية الكردية من جهة, و من جهة أخرى يعتبر الإسهام الكردي الأكثر قوة و شهرة في تكوين البنيان الثقافي العالمي و هو وعاء أدبي سكب فيه الشاعر بعضاً من معارفه في الفلك والمنطق و الفلسفة و الدين و التصوف و الطب و الموسيقى و السياسة و قد أراد من وراء كتابه تحدي الشعوب الأخرى التي لا تعترف بالثقافة الكردية و تعيِّر الكرد بأنهم شعب لا يمتلك كتابه الخاص فهو بذلك يرقى إلى مصاف الأنبياء و أصحاب الرسالات الكبرى في تاريخ البشرية.

و الأمر الذي لا بد من الإشارة إليه أولاً عند الحديث عن مم و زين هو أن خاني نسج قصته من خيوط رواية شعبية كانت شائعة في كردستان ارتأى أن يهذبها و يشذبها و يصوغها في قالب إبداعي جميل و يجعلها مطية لأفكاره و منفذاً لإفشاء مكنونات صدره و أحزانه.

بين ممى آلان و مم و زين:

يعيد بعض الباحثين قصة ممى آلان الشعبية إلى أصول مغرقة في القدم فيقارنونها بقصص إغريقية و إيرانية و يذهبون في كلمة تفسير آلان( الذي اشتهر به بطل القصة مم في الملحمة الشعبية) مذاهب بعيدة شتى فيقولون إنها محرفة من آلوني و هي عشيرة كانت تسكن جبال راوندوز بين ميديا و آشور. أو من آلين_ آلانس و هم شعب كان يسكن القفقاس(36) و نلاحظ في الجدول الذي رسمه محمد أمين زكي لعشائر منطقة سنندج(سنه) في كردستان الشرقية أن آلان بطن من بطون عشيرة سوسني و يسكنون في المنطقة ما بين سردشت و جبل قنديل.(37) و هناك رأي يقول إن اسم آلان قد دخل الملحمة بعد مم و زين أحمد خاني و هي من كلمة آل بمعنى العلم فقد كان والد مم حامل رايات الأمير(38)

إننا لا نستطيع تأكيد أن القصة قديمة أو ربما كانت مقتبسة من اليونان أو الفرس أو حتى أن موطنها الأصلي هو منطقة ميديا, لأن هذه المزاعم قائمة على افتراضات تفتقر إلى الدليل العلمي و نود أن نقول في هذا المقام أن قصص الشعوب كلها تتشابه قليلاً أو كثيراً إذ نجد مثلاً في ألف ليلة و ليلة مشهداً مماثلاً لأحد مشاهد ممى آلان و ذلك في قصة شمس الدين و نور الدين حيث تشاهد جنية من الجنيات بدر الدين ابن نور الدين و هو نائم في المقبرة فيبهرها جماله فتطير لتلتقي بعفريت طائر يخبرها عن جمال ابنة شمس الدين, وهنا يحدث نزاع بين العفريت و الجنية فكل واحد يدعي أن صاحبه أجمل, و لحل النزاع يطير الإثنان و يجمعان بين الشاب و الفتاة في مصر حيث الفتاة الجميلة ثم يعيدان كلاً منهما إلى مكانه. هذا المشهد الخرافي في ألف ليلة و ليلة يطابق تماماً في ممى آلان المشهد الذي تتنازع فيه جنيات أخوات هن تاڤبانو و هيڤبانو و ستيربانو و هن يسبحن في نبع. حيث تخرج الأخت الصغرى من النبع فجأة و تأخذ ثياب أختيها لتتملى جمالهما و هنا تقول الأختان: يوجد من هو أجمل منا و هما ممى آلان و زينا زيدان, ثم يتفقن على الجمع بينهما ليرين من الأجمل و هكذا تطير الجنيات إلى جزيرة بوتان و يأتين بالأميرة زين ليضعنها بجانب سرير مم و هو نائم (39) فهل نقول إن رواة ممى آلان قد أخذوا القصة من ألف ليلة و ليلة؟ أو العكس أي هل نقول إن جامعي حكايات ألف ليلة و ليلة قد اقتبسوا تلك القصة من ممى آلان؟! لا شيء يؤكد أو ينفي ما نفترضه في هذا المجال لذلك نأخذ بالآراء الأقرب إلى المنطق و العقل و نترك الافتراضات و الاحتمالات الموغلة في الخيال.

إلا أن ما لا يمكننا نفيه هو وجود قصة سابقة على مم و زين أحمد خاني كانت شائعة كما أسلفنا في كردستان و خاصة في جزيرة بوتان عن شاب هام بحب الأميرة زين أخت أمير الجزيرة, ولا نستطيع التأكيد بأي حال من الأحوال بأن القصة الشعبية التي كانت شائعة آنذاك هي نفسها القصة التي دونها روجيه ليسكو نقلاً عن أفواه الرواة الشعبيين و على رأسهم مشو بكه بورێ * أو الروايات التي دونها غيره مثل سلمان رشو و عبد المسيح وزير و حسين بانه سوري و اسماعيل باني و هي تختلف عن بعضها اختلافات قليلة أو كثيرة تجنبنا التعرض لها خوفاً من الإطالة. (40) فلقد مضت قرون عدة على هذه الملحمة دون تدوين و من المؤكد أنها تعرضت للحذف و الإضافة من قبل الرواة و أن الخيال الشعبي قد طعَّم القصة بأساطير عدة و لهذا السبب نجد اختلافاً كبيراً بين الروايات المتعددة للقصة.

إن الرواية التي اعتمدها أوسكار مان مثلاً تعتبر مم ابن ملك اليمن إبراهيم بك الذي يصادف التابعي المعروف أويس القرني(في الرواية الشعبية و عند الكرد ويس القران) في مكة المكرمة و الذي يعطي تفاحة سحرية للملك اليمني ليرزق بولد ذكر يسمى مم, بينما في رواية ليسكو نجد أن مم هو ثمرة زواج ملك المغرب من ابنة زعيم قريش بناء على اقتراح يقدمه الخضر.(41)












لقد سبقت الإشارة إلى العاشقين مم و زين في شعر الجزري الذي كان سابقاً على خاني بعدة عقود, كما أن خاني نفسه يصرح و في مطالع ستة فصول من قصته أنه سمع هذه القصة من أحد الرواة دون أن يشير إلى هويته. و هناك بيتان في نهاية القصة يقول فيهما خاني أنه ألف مم و زين من بعض أساطير شائعة في بوتان و بعضها اختلاق من عنده.(42)






أخيراً لا بد لنا من الاعتراف بأن القصة الشعبية ممى آلان كانت قريبة من ذوق العامة و لم تكن بحاجة لسامع مثقف أو متعلم بل كانت تغنى في المجالس و يسمعها الأمي و المتعلم بلغة بعيدة عن التعقيدات البلاغية لذلك فقد صمدت و قاومت قروناً طويلة حتى بعد ظهور هذا الشكل الأدبي السامي على يد خاني و بالرغم من القمع الذي مورس بحق رواة القصة من قبل أمراء جزيرة بوتان الذين وجدوا فيها شيئاً يمس شرف عائلتهم.(43)

البناء اللغوي

يقول الشاعر في النهاية أنه ركَّب القصة من مجموع اللغات العربية و الكردية و الفارسية كما أنه استخدم ضمن اللغة الكردية كلاً من اللهجة البوتانية و المهمدية و السليڤية. إن هذه الشهادة من الشاعر نفسه تغنينا عن البحث و الجدل حول لغة الكتاب, فهي لغة كردية مطعمة بكلمات وافرة عربية و فارسية و حتى أبيات و مصاريع كاملة بهما إلى جانب بعض المفردات من اللغة التركية و مصراعين فقط.

أما اللهجات الكردية المستخدمة فهي البوتانية و هي لهجة سيطرت على أدب الرواد الأوائل كالجزري و كانت شائعة في منطقة كبيرة من كردستان و لا بد أن خاني كان يعرف خفاياها جيداً فقد قضى مدة من الزمن في بوتان و اطلع على قصائد شعرائها, و اللهجة الثانية هي المهمدية و يقول أمين عثمان إنها لهجة أحمد خاني(44) أما اللهجة الأخيرة في اللغة (الخانية) فهي اللهجة السليڤية و هي لهجة إحدى القبائل الشهيرة القاطنة في نواحي موش من كردستان الشمالية.(45)

لقد مزج الشاعر هذه اللهجات في بوتقة هذه القصة و لعله خطا بذلك أولى الخطوات نحو التقريب بين اللهجات الكردية و صياغة لغة أدبية موحدة منها و لعله لو كان يعرف لهجات كردستان الجنوبية و الشرقية لخلطها مع مزيجه اللهجوي الجميل, إن هذه السابقة الذكية قد تكون نموذجاً نحتذي به في كتاباتنا المعاصرة فنستعمل مفردات اللهجات جميعاً استعمالاً واعياً يؤدي في النهاية إلى بناء لغة يفهمها كل الكرد في طول كردستان و عرضها و يساهم في نزع التعصب اللهجوي الذي يذر بقرنه بين الفترة و الأخرى حتى بين طبقة النخبة الثقافية للأسف الشديد.

لقد ثار جدل حول لهجة خاني في مم و زين فبينما نجد د. عز الدين رسول يؤكد أن لهجة خاني هي البوتانية قائلاً: حقاً لقد كتب خاني ملحمته أساساً بالفرع البوتاني من اللهجة الكرمانجية الشمالية(46), يرد عليه رشيد فندێ بقوله: و إن أراد القارئ الكريم أن أجزم الرأي حول لهجة كتابة مم و زين لقلت أنه نظراً لسعة أفق خاني و طول باعه و سيطرته لا على كل اللهجات الكردية فحسب, بل حتى على اللغات الشرقية المجاورة لللغة الكردية, فإن رائعته مم و زين نسيج مترابط من كل اللهجات و اللغات(47). إن ما أورده رشيد فندێ في هذ المجال صحيح, إلا أن نفيه أن يكون الشاعر قد ألف مم و زين باللهجة البوتانية أصلاً(48) بعيد عن الصحة بدليل تأكيد خاني نفسه أنه استعمل هذه اللهجة في مم و زين كما أسلفنا(49).

من المؤسف جداً أن نسمع بعض من قرؤوا مم و زين أنهم يعيبون على الشاعر استخدامه المفرط للمفردات الأجنبية, إن هؤلاء يحاولون تطبيق المفاهيم المعاصرة حول اللغة النموذجية على هذا النص الكلاسيكي و يحاولون انتزاع مم و زين من سياقه الزمني لفحصه بمجاهر النقد المعاصر و الذي لن يكون عادلاً تماماً ما لم يراعِ شروط الإبداع في تلك الأزمان الغابرة.

لقد لاحظت من خلال متابعتي لبعض المثقفين الكرد الذين يتناولون خاني بالنقد أنهم يرتكبون خطأً فادحاً و يخرقون قواعد النقد حينما ينتزعون خاني من سياقه التاريخي و يخضعونه إلى معايير النقد الحديثة غير مدركين أنه نتاج مناخ خاص ثقافياً و لغوياً يختلف عن مناخات عصرنا ,و من نافل القول أن النظرة إلى الشعر لدى أرسطو مثلا غيرها عند ت.س.إليوت .و إن تناول المتنبي بالنقد و التحليل لا بد يختلف عن تناول أدب أدونيس أو غيره من المبدعين العرب .إن سرير (بروكوست )النقدي لا يتسع مطلقاً لقامة خاني و لا بد من قطع يديه أو رجليه في حال وضعه في ذلك السرير الديكتاتوري.

و لا بأس هنا أن نعود للحديث مرة أخرى إلى حال اللغات التي وقع خاني و كتابه هذا تحت وطأتها الثقيلة. فلو حاولنا رسم خارطة لغوية من حيث النفوذ و الانتشار لقلنا إن العربية استكملت بنيانها لأنها لغة الدين و القرآن , و كان يقدسها الرعايا من غير العرب أكثر من العرب أنفسهم , و ما زالت شعوب كثيرة تقدس ليس اللغة العربية فحسب , بل الحرف العربي و عندها أنه لا يجوز شرعاً وطأ صحيفة فيها كلام عربي !!

و لقد تهيأ لهذه اللغة من يخدمها من كافة قوميات العالم الإسلامي بدءاً من السريان و مروراً باليهود و انتهاءً بالفرس و الأكراد .أما الفارسية فقد كانت لغة إمبراطورية كبرى كادت تدق بوابات أثينا في الشرق الأوروبي , و تعرضت لنكبة عارضة سرعان ما انتعشت بفضل توجه حكام السلطنة السامانية و الغزنوية إلى رعايتها و دعم الذين يكتبون بها دون حساب .

يقول د.ذبيح الله صفا: كان جميع الأمراء و السلاطين في ذلك العهد ( من السامانيين حتى ظهور السلاجقة ثم حكام الهند من المغول ) يغدقون المال على الكتاب و الشعراء و كل من حمل على عاتقه خدمة اللغة الفارسية , حتى وصل الأمر ببعض الشعراء أن عظمت ثروتهم و عاشوا في نعيم بلاطات الحكام , و قد روي أن أربعمائة بعير كانت تنقل أملاك الشاعر الضرير رودكي ( قيل أنه أول من قال الشعر الجيد بالفارسية ) , كما قيل أن الشاعر عنصري ( صاحب منظومة وامق و عذرا ) صنع أدوات مطبخه من الذهب و الفضة.(50)

كما قيل أن السلطان محمود الغزنوي وعد الفردوسي بمنحه عن كل بيت في الشاهنامه ديناراً من الذهب !!لكنه لم يف بوعده و نال نصيبه من هجاء الشاعر الكبير .

و حتى لو كانت هذه الحكايات من تلفيقات المؤرخين و مبالغاتهم فإنها تدل على مدى الاهتمام و الرعاية التي لاقاها الكتاب و الشعراء الفرس أو الذين يكتبون بالفارسية , و مع ذلك فهم لم يسلموا من تأثير اللغة العربية المروِّع , و يجد الباحثون أن الكلمات العربية تغزر في قصة الإسكندر من الشاهنامه التي أراد صاحبها أن يكتبها بلغة فارسية نقية , و أن نفوذ التراكيب العربية تزداد بوضوح , لأن الفردوسي تأثر بقصة الاسكندر العربية المنقولة عن أصل يوناني !!

أما اللغة العثمانية فقد كانت لغة إمبراطورية تدق أبواب فيينا في غرب أوروبا و مع ذلك فلم تسلم هي الأخرى من تأثيرات العربية أو الفارسية , و كان شاعرها فضولي ذا هوس كبير في إدخال مفردات فارسية و عربية و ترصيع شعره بها.(51 )

و إذا كان الفرس و هم بهذه الحال لم يسلموا من تأثير العربية, و العثمانيون و هم أقوى سلطة في العالم آنذاك وقعوا تحت ثقل العربية لدرجة أن فرمانات سلاطينهم كانت تصدر و كأنها مكتوبة بالعربية , فما بالك بلغة كردية لا يعترف بها أحد و لا يرعاها حاكم أو سلطان , بل ثمة أفراد قليلون برزوا كفرسان على جياد هزيلة أثاروا غباراً قليلاً !!! ما بالك بهذه اللغة المحاصرة سماء و أرضاً , اللغة التي لم يكتب بها أحد مذ فتح الأكراد أعينهم على الحضارة الإسلامية , و لم يجد الرواد أمامهم مكتبة كردية متكاملة أو متواضعة تضم على رفوفها عشرين كتاباً ,في كل موضوع كتاب !!

و ليت الأمر وقف عند ذلك الحد , بل نرى الأكراد قد فقدوا ثقتهم بلغتهم حتى أن ظريفاً من ظرفائهم وضع حديثاً على لسان النبي حول اللغة الكردية و لطرافته أثبت نصه المترجم هنا :

روي أن فاطمة الزهراء سألت أباها ذات مرة :أثمة لغة في الدنيا غير العربية ؟! قال :نعم , لغات كثيرة منها الكردية !! فدهشت فاطمة و قالت :و كيف هي اللغة الكردية يا أبتاه؟!

و بينما هما يتحدثان طُرِق الباب فنهضت فاطمة لترى من الطارق , و إذا برجل واقف يسأل ..ميمكه مَمَدْ لَه ماله(أي يا عمة هل محمد في البيت) ؟! استغربت فاطمة و عادت لتقص الخبر على أبيها ! فقال أبوها :يا فاطمة الواقف بالباب هو جبريل , و اللغة التي تكلم بها هي الكردية فاذهبي و قولي له :أرێ له ماله(نعم هو في البيت) !(52)

القصة موضوعة طبعاً , لكننا نستنتج منها أن اللغة الكردية كانت تزاحم اللغات الأخرى و تحاول الولوج معها إلى عوالم المعرفة و الفكر و الدين , و تحاول الدفاع عن خصوصيتها المشكوك فيها و في تميزها فهي , كما يقولون , لغة قطاع طرق , و هي لغة وحشية لا تصلح للكتابة بل هي لغة خليط من الفارسية القديمة و العربية إلى آخر هذه التهم الباطلة . و قصة شيطان العراق الشاعر أنو شروان البغدادي معروفة , فهو الذي وصف الأكراد بالحمير و هجا مدينة إربل(هولير) و سخر من لغة سكانها الأكراد! فقد قال في قصيدة طويلة:

تبَّاً لشيطاني وما سوَّلا لأنه أنزلني إربلا

هذا و في البازار قوم إذا عاينتَهم عاينتَ أهلَ البلا

من كل كرديٍّ حمارٍ و من كل عراقي نفاه الغلا

و الكُرد لا تسمع إلا ?يه أو نَ?يا أو نَتَوا, زَنْكلا

كلا و بوبو علّكو خُشتري خيلو و ميلو موسكا منكلا

ممو و مقو ممكي ثم إن قالوا : بوير كي تجي قلت لا(53)







أما قصة الشاعر الصوفي بابا طاهر( و في بعض الروايات غيره ) الذي استيقظ فجأة ليجد نفسه يتكلم العربية , فقال :أمسيت كردياً و أصبحت عربياً ,و هكذا بدأ يكتب بالعربية , لأن لغته التي أمسى عليها لم تكن تصلح للكتابة . فهي قصة تدخل في باب طعن اللغة الكردية و اتهامها بالعجز و القصور .

بلا شك كان لهذا التراث العدائي للغة الكردية صداه لدى خاني و غيره من الذين حاولوا مستميتين الدفاع عن لغتهم و الكتابة بها مهما كلفهم ذلك , حتى و لو كتبوا بلغة نصفها عربي و نصفها كردي ,و لقد أضحت الكتابة بالكردية عندهم قضية مصيرية و معركة بقاء أو فناء فانطلقوا بمبادرات فردية يدونون مؤلفاتهم بلغة كانت تبدو أحياناً متواضعة و لكن بما أنها كانت الخطوات الأولى فقد شكلت ثورة في التاريخ الكردي لفتت أنظار المتعلمين الكرد إلى لغتهم و عززت ثقتهم بها .

و لقد أجاد خاني في وصف اللغة الكردية بالثفل المتبقي في قاع الكأس يعافه الشارب , و لكنه تجرع ذلك الثفل المهمل و ترك صافي الخمر , و اشتغل في النحاس ( اللغة الكردية ) تاركاً الذهب و الفضة , و لكنه أكد بمرارة إلى أنه يحتاج إلى من يسك نحاسه في صورة عملة رائجة !!

أما الجزري ( و هو عندي أمير الشعر الكردي إن كان ثمة تنازع على إمارة الشعر فهو القائل :أنا الأمير في مملكة الكلام ...أنا الحاكم في عوالم الشعر) فقد كان يصرخ منادياً قومه إلى قراءة شعره : إن كنت تبغي اللؤلؤ المنثور من الشعر ...تعال و اقرأ الملا ( يعني نفسه ) و دع الشيرازي.‍‍‍??‍.!!

بطبيعة الحال لا يخلو أمر خاني من المبالغة و الإفراط في استعمال المفردات و التراكيب العربية و الفارسية و حتى التركية العثمانية و لو بنسبة قليلة جداً . و لكن يبدو أن ذلك كان إظهاراً لمقدرة الشاعر و تمكنه من لغات عصره الدارجة . و لم تكن لديه سياسة لغوية إذ كان بإمكانه و إمكان غيره من الشعراء العجم بشكل عام إيجاد بدائل من لغتهم لبعض الكلمات العربية و ليس كلها. و مع ذلك فإن نسيج مم و زين لهو نسيج كردي تتخلله خيوط غريبة تزيده جمالاً بمقاييس النقد الكلاسيكي والأجواء الأدبية في عصر الشاعر و لا تعيبه مطلقاً.

إن الباحث في مم و زين و بنيته اللغوية يرى أن نسبة الكلمات العربية تقل في لغة الحكاية بينما تطغى في لغة الفلسفة و الدين و الفلك و التصوف, أي المجالات التي لم يكتب فيها الأكراد شيئاً بلغتهم. و هذا يعني أن اللغة الكردية كانت تحاول خجلة طرق تلك الأبواب التي ملكت العربية مفاتيحها كما يعني ذلك أيضاً أن الأكراد لم يلتفتوا إلى تدوين علوم العصر بلغتهم بل اكتفوا بالاطلاع عليها من خلال لغات وسيطة ..

إننا ما زلنا إلى الآن نفتقر إلى مصطلحات في الفلسفة و التصوف و الفلك و غير ذلك من العلوم بلغتنا الكردية بالرغم من عشرات المعاهد المنتشرة في كردستان و الدول الأوروبية و بالرغم من مئات بل و آلاف الكتاب الذين لا يكتبون إلى باللغة الكردية . ما هي مثلاً بالكردية بدائل هذه العينة العشوائية من المصطلحات و المفردات التي أتى بها خاني: التجلي, الفناء المطلق, القوى الجاذبة, الحال, المقام و الكرامة, عالم الغيب, عالم الشهادة, الحرارة الغريزية, الأزل , الأبد...؟! إنني هنا لا أشير إلى عجز اللغة الكردية بقدر ما أشير إلى عجزنا نحن أصحاب هذه اللغة من الذين نلوم أسلافنا الذين مضى عليهم مئات الأعوام على استخدام مفردات أجنبية ما زلنا نحن نستخدمها دون التفكير في إيجاد بدائل لها.

إن خاني هو شاعر رفع حسب إمكاناته المتوفرة من شأن اللغة الكردية و أعاد ثقة الكرد بلغتهم و حفظت لنا مؤلفاته المئات من الكلمات الكردية التي تحتاج إلى بحث دقيق لوضعها في محلها و استعمالها كما ينبغي أن تستعمل , و من المؤسف أننا نجد مفردات خانية (نسبة إلى خاني ) في غاية الروعة و الأناقة لم ينتبه إليها الكتاب المعاصرون و لا هم اقتربوا من ملكوتها ليضموها إلى كتاباتهم .حتى أننا لا نجدها في قواميس اللغة المعاصرة أيضاً.

إن اللغة الكردية الآن بخير و هي مدينة للرواد الذين اجترحوا الكتابة و فكوا الحصار عن اللغة الكردية بأسلحتهم البدائية . و لا يمكن أن نجد كاتباً كردياً يستعمل في مقال له أو قصة أو قصيدة إلا القليل من الكلمات الدخيلة و التي تم تكريدها عبر الزمن و باتت ملكاً للقاموس الكردي بعد أن لبست شروالاً كردياً , وذلك كله لم ينشأ من فراغ و لم تهبط اللغة الكردية التي يكتب بها كتابنا من السماء فجأة . بل تطورت ببطء و نضجت حتى وصلت إلى هذا المستوى الجيد من النقاء و الصفاء.



لمحة عن بعض الأفكار الواردة في مم و زين

يلاحظ قارئ مم و زين أن الشاعر أحمد خاني تدرج من الكوني إلى الإنساني فالقومي ثم دخل صلب الحكاية بالحديث عن جزيرة بوتان و أميرها و أختيه الجميلتين زين و ستي و الصديقين مم و تاجدين ثم يسمو الشاعر مرة أخرى في عوالم الروح و مسائل الفكر و الفلسفة و الوجود و التصوف و أخيراً يختم كتابه بالتوجه إلى الله كما بدأ أول مرة.

إن الأفكار التي طرحها الشاعر في المقدمة و هي مقدمة دينية تقليدية التزم بها الشعراء الكلاسيكيون تتناول تمجيد الله كونه الخالق الدبر الذي خلق السموات و الأرض و خلق آدم و سخر له ما في الكون, و يتعرض الشاعر لموضوع الوحدة الشهودية و أن الله يتجلى في كل مظاهر الحياة في الكون فلا وجود لموجود إلا بقبس من جمال نور الله و يعمد إلى تأكيد وجود الجبر ( و هو نفي الفعل عن العبد و نسبته إلى الله) و ينطلق من هناك لتبرئة إبليس من جرم عدم السجود لآدم(راجع تفصيلات هذه الأفكار من خلال تعليقاتنا عليها أثناء الشرح). ثم يتحدث الشاعر عن عظمة النبي محمد و بعض من سيرته و معجزاته و يتعرض بقليل من التفصيل إلى معجزة المعراج و هنا يطغى عليه تفكيره الحر فيطالب النبي برحلة معراج جديدة لمساءلة الرب عن كثير من الأمور التي شغلت بال شاعرنا المفكر.

إن خاني الجبري في مقدمة مم و زين , يتحول إلى قدري يؤمن بالاختيار و حرية الإرادة, و ذلك عندما يصبح الحديث ساخناًً عن وضع الشعب الكردي و معاناته و ظروفه العامة, فيتخلى خاني بشكل لا لبس فيه عن جبريته التي تقيد حرية الإنسان فيدعو قومه إلى النهوض و مد اليد إلى السيف لتكوين دولة(فالدنيا تنقاد للمرء بالسيف و الإحسان)( البيت 215).

إن خاني في معالجته للقضية القومية يفكر بعقل منفتح و بصيرة نافذة فيبحث عن جذور العبودية في المجتمع الكردي و يكتشف سبب بقاء الكرد محرومين من كيان مستقل. و هنا نود أن نعيد إلى الأذهان ذلك الحديث الموضوع على لسان الرسول حول عدم إمكانية توحد الأكراد و هو: لا وفق الله هذه الطائفة إلى الوفاق و الوئام. فلقد كان هذا الحديث متداولاً و شائعاً قبل خاني و هو يوافق الجبرية التي نادى بها, لكننا نجده لا يعترف بهذا الحديث و يدعو إلى الوحدة واضعاً حلولاً منطقية تتركز في قائد قوي و هنا يتجلى النهج الفكري المتميز للشاعر الكبير, فهو ينظر إلى الأكراد كونهم جماعة بشرية فاعلة لها دورها و تأثيرها في تغيير مجرى تاريخها و قدرها الشائك, و هو يعتبر الأكراد أحراراً من القيود الغيبية(كالمشيئة الإلهية مثلاً) لذلك لا نجده يدعو الله ليحرر شعبه ( وإن كان يدعوه لتحرير بني البشر من نار الجحيم) بل يخاطب شعبه بالذات ليقوم بفعل التحرير. أما حينما يعالج خاني الإنسان كوجود مستقل, ينتزع منه الإرادة و يؤكد خضوعه للجبر و كأنه يريد أن يقول: إن الإنسان بمفرده كائن مسلوب الإرادة عديم الفاعلية خاضع لقوى أكبر من إرادته, أما حينما ينخرط في الجماعة فله دوره الكبير في التغيير و حرية الحركة( و من هنا جاء دفاعه الشهير عن إبليس). و نستطيع في هذا المجال مقارنة الخاني بفيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري الذي كان منتمياً إلى الجبرية و قال: إن أخلاقنا لم تفسد باختيارنا. و لكن المعري حينما كان يصطدم بظلم الحكام كان يتخلى عن اتهاماته للطبيعة و يتهم الإنسان بتعمد الشر و الإساءة, و لذلك لا يصح اعتبار تشخيصه للخلل في نظام الطبيعة كموقف جبري فمذهبه هذا لا يأتلف مع العقيدة الدينية التي تقول إن ظلم الحكام قضاء من الله يجب الصبر عليه. و إن كان لا بد من تسميتها جبرية فهي جبرية احتجاج لا إقرارأعني جبرية قد تصبر على حكم الطبيعة و لا تصبر على حكم الإنسان و تعتبر ظلم الحكام من صنع أنفسهم و تجعل الثورة عليهم تبعاً لذلك ممكنة و مشروعة(54).

في نهاية مم و زين يعمد خاني بمهارة إلى إثبات وجود الجبر في حياة البشر من خلال تمثيلين بسيطين, في أحدهما يصور أن العالم مثل لعبة(خيال الظل) حيث تتحرك الدمى وراء اللوحة المضاءة وفق إرادة المخايل أو الأراجوز(الشخص الذي يلعب بالدمى و ينطق عنها) و هذه الدمى لا إرادة لها مطلقاً:

إن العالم الذي على شاكلة خيال الظل، الصانع(الله) فيه هو الهادي والمضل.

إنه يأتي بنا إلى مشهد الخيال، ويضعنا وراء حجاب الضلال.



أما في التمثيل الثاني فهو يشبه الإنسان الخاضع خضوعاً مطلقاً للمشيئة الإلهية بالقلم في يد الكاتب, و كما أن القلم غير مسؤول عن مضامين الكتابة شراً أو خيراً, فكذلك الإنسان غير مسؤول عن أفعاله. يقول خاني على لسان القلم الذي يوبخ الكاتب:

إن كانت أقوالك سيئة أو حسنة، وأفعالك خاطئةً أو مصيبةً.

فإنك تعرف جيداً يا قبيح الفعال، أنك أنت القائل والفاعل والصاحب.

لقد زينت بي مجالس الطرب، وسَوَّدْتَ (بمدادي) كتابَ المعاصي.

وإن كان لي وجود في الظاهر، فأنت العازف وأنا مثل الناي.

فهل يقول الناي بذاته شيئاً، أم هل يسكب القلم رشحةَ حبرٍ من تلقاء ذاته.؟!

الكاتب هو الذي يجعل القلم يسيء، والناي يئن بين يدي العازف.

يا رب إنك تعرف أن (خاني) المسكين، مثل القلم الأسير .

قلبه في الحقيقة بين يديك، وهو لا يفعل شيئاً من تلقاء نفسه مطلقاً.



الموضوع القومي و دور القائد:

دخل الشاعر موضوعه القومي عبر مقدمة خمرية تعكس لنا أجواءه المفعمة بالخيبة و القلق النفسي و الحيرة, و لا أرى من المفيد أن أحلل النظرية القومية عند خاني فقد أفضنا في الحديث عن ذلك قبل صفحات كما علقنا على الأبيات المتعلقة بالفكر القومي في مم و زين و تناولنا مشروعه القومي بشيء من التفصيل فليراجع!

لقد ركز خاني على دور الفرد القائد في إخراج الشعب الكردي من أزمته فوضع صفات معينة لهذا المنقذ تقربه من صفات الحاكم في المدينة الفاضلة للفارابي لأنه يجب حسب خاني أن يكون رجل فكر قبل كل شيء. لكن الذي نلاحظه في التاريخ أن القادة الذين كانوا قادرين على تحريك الجماهير ليسوا في الغالب رجال فكر كما يقول غوستاف لوبون, و لا يمكنهم أن يكونوا كذلك, إنما هم رجال ممارسة و انخراط و هم قليلو الفطنة(55), و يقول الباحث الراحل هادي العلوي بخصوص دعوة المعري إلى إمامة العقل(كذب الظن لا إمام سوى العقل): العقل لا يقود حركة سياسية و إنما يقودها زعماء يتمتعون بكفاءات مناسبة تماماً لأداء مثل هذا الدور المختلف جذرياً عن دور المثقف, و مادة الحركة أعني جمهورها لا تتشكل في الغالب من العقلاء لأن اعتمادها في التعبئة تكون على الأيديولوجيا و ليس على العقل, إن متابعة الفيلسوف أو المفكر تتم بناء على تفكير عقلي, و المتبع قد يكون هو نفسه فيلسوفاً أو مفكراً, و معروف أن أتباع الفلاسفة لا يكونون إلا من المثقفين العقلانيين بخلاف أتباع الأنبياء أو المصلحين أو القادة السياسيين. إن أي نشاط سياسي أو اجتماعي يتطلب لكي ينتج أهدافه إطاراً منظماً , و يعني التنظيم وجود قيادة فردية أو جماعية ذات مركز آمر مع جمهور من الأتباع ينفذون الأوامر طوعاً أو كرهاً, و بهذه الطريقة وحدها يتوصل البشر إلى تحقيق إرادتهم في أي مفصل من التاريخ.(56)

لقد كان خاني قريباً من السلطات الحاكمة و كان يفهم لعبة القيادة و يعرف أن تحقيق مشروعه لن يتم إلا عبر قائد يتبناه و يطبق مشروعه الرائد على أرض الواقع. لكنه مع الأسف أظهر هذا المشروع إبان ضعف الإمارة و تغلغل النفوذ العثماني فيها حيث تمت إقالة الأمير ميرزا و استبدال عمه إبراهيم به ثم إقالة الأخير أيضاً.

إن خاني قد أسهب في نقد الأمير زين الدين شقيق الأميرة زين التي أحبها مم, و أوضح من خلال ذلك آراءه السياسية و فهمه لموضوع القيادة فقال إن للبطانة السيئة دور كبير في فساد الحكم, لأن تلك البطانة لا تصل إلى المراكز الحساسة أصلاً إلا عبر النفاق و المداهنة, لذلك لا بد للحاكم أن يُخْضِع المتقدمين لشغل الوزارات و المناصب الهامة للتجربة أربعين مرة. (انظر الأبيات من 1984 حتى 2000)

شخصيات القصة:

أولاً: الشخصيات الرئيسة:

1_ الأمير زين الدين:

ورد الاسم مرتين في القصة, مرة بصيغة زين دين في البيت 359, و مرة بصيغة زيدين في البيت 1365. أما الرواة الشعبيون لملحمة ممى آلان فلا يتفقون على اسم معين لهذا الأمير, ففي حين نجد اسمه لدى مشو بكه بورێ (أزين) و هو الاسم الذي يقول د. نور الدين زازا أنه الأقرب إلى التاريخ من بين جميع الأسماء الأخرى, نجده لدى حسين بانه سوري و سلمان رشو (سيفدين= سيف الدين) و عند إسماعيل باني يطابق ما ورد في مم و زين أحمد خاني(57).

و لا نجد بين أمراء ولاية الجزيرة أو جزيرة بوتان الذين تحدث عنهم شرفخان بدليس أميراً اسمه زين الدين, بل نعثر على اسم قريب منه و هو الأمير عز الدين الذي عاصر الفاتح المغولي تيمورلنك و قد حدثت بينهما أمور ذكرها شرفخان بشيء من التفصيل(58).

ملامح من شخصية الأمير كما وصفها خاني:

بداية يوافق خاني على ادعاء أمراء بوتان انتسابهم إلى خالد بن الوليد القرشي المخزومي( انظر التعليقات) و يصف الأمير بالشهامة و السخاء و الشجاعة و وفرة الثروة و امتداد سلطانه ليشمل العرب و الترك و الفرس!!!

و من خلال القصة يوضح خاني أكثر فأكثر بعض جوانب شخصية هذا الأمير القوي, فهو الذي يصدر الأوامر بالخروج في عيد النوروز, و عندما يتقرر طلب يد الأميرة ستي لأجل تاجدين , يذهب إلى الأمير وفد كبير من العلماء و الأمراء و العامة و يخاطبونه خطاب الملوك و السلاطين(الأبيات 875 حتى 883), و هنا نجد لدى الأمير ليناً في الطباع و دماثة خُلُق غير متوقعة و سرعة في تلبية طلب الوفد الذي شكله تاجدين, إنه أمير سمح كريم يدعو بنفسه إلى إقامة حفل خطبة لائق بأخته و يتواضع لدرجة أنه يقوم بنفسه على خدمة تاجدين و الضيوف. لكن هذا الأمير يتصرف أحياناً بعنجهية ففي مشهد الصيد مثلاً يبدو استبدادياً حينما يأمر جميع سكان بوتان بالخروج للصيد و يهدد المتخلفين بالقتل.

ينتظر خاني الفرصة المناسبة لكيل النقد للأمير فيرى تمسكه بحاجبه السيء بكر نوعاً من الجهل فيقول إن هناك أمراء لا يبادلون الكلاب السلوقية بالجياد العربية الأصيلة!! و يبين لنا خاني شخصية الأمير على أنها قوية في البداية أمام نزعة الشر المتأصلة في حاجبه بكر, لكنه ينخدع في النهاية و يقع في شركه ليصدق كل ما يقوله ذلك الحاجب عن مؤامرة يحيكها الصديقان مم و تاجدين(انظر الفصل المسمى بدء الفتنة في هذا الكتاب) و يصور لنا تمسكه الشديد بالسلطة من خلال حوار بينه و بين بكر إذ يحاول بكر الإساءة إلى تاجدين لحقد دفين, لكن الأمير لا يصغي إليه بل يمدح تاجدين فيحاول بكر مرة أخرى و يلجأ إلى الكذب فيقول: إن تاجدين يتجاوز حدود صلاحياته فقد وعد مم بتزويجه من زين! و هنا ينفعل الأمير قليلاً لكنه يكتم ذلك و يتحكم بأعصابه سائلاً: لماذا لم يستشرني تاجدين؟ و عندما يلاحظ بكر خَوَر الأمير و أنه بات مستعداً لالتقاط الطُّعم يواصل خطته فيقول: إن خوفي هو أن تتجاوز المسألة تزويج مم من زين فيدعي تاجدين انتسابه إلى سلالة خالد بن الوليد( و هي السلالة التي كان أمراء بوتان يدعون الانتماء إليها)! هنا يصور خاني بمهارة فائقة ردة فعل الأمير العنيفة و يبين شهوة السلطة لديه عندما يقول: لقد كنت أرغب في الحقيقة أن أزوج مم و زين و لكن الآن و قسماً بروح والدي و جدي خالد فإنني لن أزوجها من أيٍ من ذكور بني آدم. ثم يواصل الأمير انفعاله فيهدد كل من يتقدم لطلب يد زين بالقتل.

إننا نلاحظ أن خاني رسم شخصية الأمير بدقة من خلال ردود فعل ثلاثة, ففي الأول كان إيجابياً وقف فيه ضد دسائس حاجبه بكر, و في الثاني كان أقل قوة بل اكتفى بجملة واحدة هي تعبير عن دهشته بعد أن أفاض في البداية في مدح مم و تاجدين, أما رد الغعل الثالث و الأخير فقد كان حاسماً و انفعالياً قطع كل أمل للعاشقين بالوصال, وهنا ينتهز خاني الفرصة كعادته فينتقد هذا النوع من الحكام و يدعو إلى عدم الثقة بهم:

إن الحكام في الباطن والظاهر كالنار بدون شك .

فهم في الظاهر نضرون منورو الوجوه، وفي باطنهم بعيدون عن المداراة.

عندما يرحمون يكونون كالشمس . وحينما يغضبون يحرقون العالم.

حذار أن تثق بهم، حتى لو كنت أباً أو ابناً أو أخاً.

خاصة إذا كان المقربون منهم سيئون، فالعياذ بالله منهم.

بعد ذلك يدخل خاني إلى أعماق نفس الأمير فيرسم غيرته الشديدة و عذابه النفسي بسبب الإشاعات التي تنال من سمعة أخته الأميرة زين التي تعلق بها قلب مم:

الأمير الذي كان مهموماً بسبب الغيرة و الأسد الذي كان جريحاً لفرط الحمية

لم يذق النوم حتى الصباح و لم يهدأ و كأنه نهر هادر.

يرسم لنا خاني الضعف الذي يدب في شخصية الأمير الواقع في الأزمة النفسية بسبب الأقاويل التي تنال من شرفه بين سكان الجزيرة( مجرد تعلق مم بحب زين و تحول ذلك إلى حديث يتناقله الناس في مجالسهم كان هو السبب في أزمة الأمير) فيبحث عن الحقيقة و لا يجد أمامه سوى الحاجب بكر يستشيره في كل شاردة و واردة فيقع فريسة دسائسه و يزج بالعاشق البريء في السجن و لا يصحو إلا على منظر أخته و هي تنزف الدماء. و في لقطة تراجيدية ساحرة نجد الأمير النادم يحمل جثمان أخته ليوسدها التراب بجانب مم قائلاً له: ها إليك معشوقتك.

2_ الأميرة زين:

هي أخت حاكم الجزيرة, رائعة الجمال, تنجذب إلى مم وفق إرادة أزلية شاءها الله. يتحدث عنها خاني وفق خطين مختلفين, الأول هو خط الوصف الظاهري للشكل و نمط الحياة, و الثاني هو خط العالم الداخلي بما فيه من مشاعر و أحاسيس و أنماط تفكير مختلفة.

و الذي يهمنا في الحديث عن شخصية زين هو الخط الثاني الذي نلاحظ أنه خط تصاعدي تتحرك الشخصية عبره وفق آلية التسامي, إذ نرى في البداية زين العاشقة الولهى المتعلقة بالشاب الوسيم مم كأي فتاة عاشقة تعبر عن مشاعرها في الحب و المعاناة و السهر و الشكوى من الفراق...إلخ. بعد ذلك تنعطف الشخصية انعطافة حادة دون أي تمهيد فتنقلب رأساً على عقب, و نشهد في قاموسها كلمات لا يتفوه بها إلا الذين خاضوا تجارب العشق الصوفي بدرجاته الكبرى .

و لا يأتي هذا الانقلاب الصوفي الكبير إلا بعد سماع زين خبر موت مم في سجنه, فتتكلم على الفور كلاماً صوفياً من مفرداته مثلاً: اللامكان, الاتصال,الفناء, البقاء. و يستغرب المرء من هذا التحول الفجائي و لا يمكن تبريره إلا بقولنا : إن الكاتب لم يسعه في هذا المجال إلا أن يوجه هذا الحب وجهة صوفية بعد أن تملك اليأس من العاشقين, و أن التحول الفجائي في الإنسان مقبول لدى معشر الصوفية, فقد تحول الشيخ الصنعاني فجأة من كبار المشايخ و المرشدين إلى عاشق متيم هام بحب فتاة أرمنية حلم بها ذات ليلة و أصبح راعياً لخنازير والدها و احتسى الخمرة بل و بدل دينه فاعتنق المسيحية!! و في التراث الصوفي عشرات الأمثلة على تحولات فجائية في الإنسان لا يمكن تفسيرها إلا من وجهة نظر صوفيه تعتمد على التجلي و الكشف و الشهود!!

3_ العاشق مم:

ما ينطبق على زين ينطبق على عاشقها مم أيضاً, فهو في البداية عاشق كأي عاشق يأسره جمال محبوبته و لا يستطيع وصالها فيشكو و يتألم و يبث لواعج حبه لعناصر الطبيعة و يتحسر شوقاً إلى رؤية زين....إلخ. و في السجن يطرأ عليه تحول جذري عميق و انقلاب صوفي يغيره من عاشق ولهان إلى صوفي متشرب بروح وحدة الوجود. لقد تأثر مم في السجن بالبعد عن الحبيبة و المعاناة و الوحدة و التأمل الطويل و هذه من الأمور التي يسلكها الصوفي ليرقى في مراقي التصوف.

يستشهد خاني بكلام الصوفية القائل: موتوا قبل أن تموتوا. فيصور لنا ما آل إليه حال بطله مم من الإنكفاء باتجاه التأمل ثم الوصول إلى حال النشوة الصوفية و التعويض عن الحرمان البصري و الاستمتاع الحسي برؤية المحبوب موجوداً حوله في كل مكان:

أصبحت الأنوار مشهودة في قلبه، وانكشفت أمامه الأسرار.

صقلت مرآة القلب، وتبدلت الصور بالمعاني.

وذلك الذي كان هيكلاً للمطلب المجازي (أي مم الذي كان يبتغي الاقتران الحسي بمحبوبته زين) أصبح ملعباً لطفل العشق.

هذه الممكنات وما سواها جميعاً، أصبحت منافذ ينظر منها إلى وجه حبيبته.

الأشجار والثمار والدواب والبشر، المعادن والنبات والحيوان.

كل ما نظر إليه بقلبه، ومر عليه بخياله.

كان يظهر له (زيناً)، وكان يشهد في كل واحد منها يقيناً.

وكأنه بذاته قد أصبح راصداً متأملاً، والزنزانة كانت تكشف له كل بعيد وخفي.

إن تصوف مم يمكن فهمه من معاناته الشديدة و يأسه و من أنوار التجلي التي ظهرت له في السجن و شهد بذلك رفاقه من المساجين في الزنازين القريبة:

سألوا الناسَ المساجين، عن حال ذلك العاجز المسكين.

فقال الناس الذين كانوا مسجونين مع مم: لقد رأينا من سطح الجدار.

بريقاً عجيباً فوق مم، ونوراً يتصاعد من رأسه.

و بعد أن يتشرب مم بروح التصوف و ترك الدنيا و الزهد فيها, يأتيه العرض الأميري السخي بقبول زواجه من زين, و لكن هيهات لمن ذاق حلاوة التجليات الصوفية و سما في عشقه حتى قارب العرش أن يقبل بمثل هذا العرض الدنيوي الزائل:

إننا باكورة بستان العز والفخار، مئة شكر فنحن مرفوعو الرؤوس أنقياء.

حاشا .. في هذه الدنيا الفانية , و بدون جنة عدنٍ الخالدة.

أن نكون في دار الفناء زناةً كالبهائم، عبثاً.

إن مم بعد انقلابه الصوفي يعتبر الزواج بمحبوبته زين في الدنيا نوعاً من الزنا, فيرفض العرض و يقول إن حفلة عرسه ستقام في الجنة :

لقد زين الله ُ لنا الحورَ والغلمانَ في جنة الرضوان.

إنهم ينتظرون رحلتنا، ويفتخرون بعرسنا (هناك).



لقد وصل مم الصوفي إلى مرحلة الفناء بعد تخطيه مراتب السلوك مرتبة مرتبة و عروجه إلى مراقي الكشف درجة درجة, فمات و هو سعيد بموته فرح بقرب وصال المحبوب ليس في دار الفناء, بل في دار البقاء:

فكَّ يديه من قيود الطين (الحياة) وخفق بجناحي قلبه.

طار ذلك الشهباز (الصقر الملكي) من الأرض، حتى وصل إلى الله.

و الملاحظ أن خاني ينهي حياة مم بعد أن يصفه بـ (شهباز) أي الصقر الملكي و هو صفة من وصل درجات الكمال في السلوك, و كان البازُ لقبَ الصوفي الشهير عبد القادر ال?يلاني.

4_ تاجدين و بكر:



من خلال متابعتنا للدور الذي رسمه الشاعر لكل واحد من هاتين الشخصيتين نجد أن أحدهما يمثل الخير و الآخر يمثل الشر, و ما يحصل بينهما هو اختصار و تمثيل للصراع الأزلي بين الخير و الشر, النور و الظلام.

أما تاجدين و هو الذي يمثل الخير, فهو أحد أبناء وزير الديوان المسمى( إسكندر), و هو صديق حميم لـ (مم) و شريكه في محنة الحب. وهو قائد عسكري وبطل شجاع على رأس مئة من الشبان في خدمة الأمير. و الشخصية التي تمثل الشر هي بكر( في الملاحم الشعبية بكو) الذي يصوره خاني على أنه مستشار الأمير و حاجبه و بوابه و مدير القهوة في مجلسه, و هو إنسان غريب عن جزيرة بوتان و ينتسب إلى بلدة( مَرْ?َڤَرْ) التي تقع في كردستان الشرقية حالياً. و لا ندري لماذا اختار الشاعر هذه البلدة بالذات موطناً محتملاً لـ (بكر)! و لعل ذلك يدخل في نطاق الحساسيات بين منطقة و أخرى!! و على كل حال فإن غربة هذا الحاجب السيء قد تبرر سلوكه المستهتر و سعيه الدؤوب إلى الإيقاع بين الأمير و تاجدين و منع تحقيق مراد العاشقين مم و زين.

يتعرض تاجدين مثل صديقه مم لصدمة الحب و سطوته في يوم النوروز, إلا أن عشقه غير كامل فهو متعلق بالظاهر و لذلك يشاء الشاعر له أن يتزوج من حبيبته(ستي) و كأنه بذلك يضع حداً لذلك العشق الناقص إذ لا شيء يفسد الحب كالزواج.

و من البداية يظهر خاني أن العشق لم يدخل في صميم روح تاجدين و يقارن بينه و بين مم فيقول:

لقد عرف ذانك الأخوان قاتليهما بدون شك، وعن طريق العقل والتخمين

كان تاجدين مازال محتفظاً ببقية من الشعور، ولم يكن العشق قد امتلكه تماماً(حرفياً: ترك العشق فيه قصوراً)

فقال :إنهض ياأخي، قم من فراشك وكفاك آهات من هذه الجراح

نحن أسود وهما في طبيعة الغزلان، ومن العار أن نتألم بسببهما.

إن دور تاجدين الحقيقي لا يظهر في القصة إلا بعد زواجه, و هذا الدور يوازي دور بكر و يعاكسه في المبدأ و الاتجاه . إن أول نصيحة يقدمها تاجدين للأمير هي قوله: مولاي أبعد هذا البواب عن مجلسك, فهو كلب حاقد و سيء الطوية.

بالمقابل نجد بكراً يحاول تحريض الأمير على تاجدين بسبب خوف و حقد دفين لا نعثر له على سبب وجيه. و يكون أول اعتراض منه على الأمير أن يقول له: لم زوجت يا مولاي ستي من تاجدين!! لقد أعطيتها رخيصة!

و هكذا يتجسد صراع الخير و الشر الأزلي صراعاً مريراً بين تاجدين و بكر و تكون الضحية مم الذي يزج به في السجن, لأن تاجدين أكبر من دسائس بكر كونه صهر الأمير و قائد قواته.

إن خاني يرسم بكر من خلال صفات عديدة كلها سيئة فهو فتَّان و ابن كلب و نمَّام و محتال و منافق و خدَّاع و ماكر و كاذب و سيء الأخلاق و الخلقة و ابن زنا و حقود و خبيث و مزوِّر و ملعون...إلى آخر هذه النعوت التي ترافقه حتى نهايته.

و بالموازاة مع تلك النعوت نجد أن بكر شخص ذكي جداً يعرف أين و متى يضرب ضربته, فقد حاول الإساءة إلى سمعة خصمه اللدود فلم يفلح فعمد إلى الكذب مدعياً أن تاجدين طغى و تجبر بعد زواجه من أخت الأمير و هو يتصرف من عنده في شؤون الإمارة فقد وعد مم بتزويجه من زين! يستغرب الأمير دون أن يبدي استياء بالغاً فيتمادى بكر في الكذب و يضرب على الوتر الحساس, وتر السلطة و الكرسي الذي لا يمكن التخلي عنه, فيقول: إن خوفي هو أن يدعي تاجدين انتسابه إلى سلالة خالد بن الوليد الذي ينتمي إليه أمراء بوتان. هنا فقط تؤثر الضربة تأثيرها المطلوب فينفعل الأمير عندما يشعر بالخطر على الكرسي و يقسم أنه لن يزوج زين من أحد..

في أحد المشاهد يعمد الشاعر بذكاء إلى وضع كل من طرفي الصراع في جانب من جانبي الأمير و ذلك بعد عودته من رحلة الصيد و رؤية أبواب القصر مفتوحة مما يشي بوجود أمر غير عادي! يتابع الطرفان صراعهما و يحاول كل واحد منهما انتهاز الفرصة فالوضع متأزم و الأمير يشك في وجود أحد في القصر و الذي ظهر في الأخير أنه مم العاشق. يتدخل تاجدين لإنقاذ مم و لا يرى بداً من إحداث جو من البلبلة و الفوضى لفتح المجال أمام تدارك الأمر قبل انكشافه فيعمد إلى إحراق قصره بما فيه ثم يدعو الناس لنجدته فينفرط عقد مجلس الأمير و تتمكن زين المختبئة وراء مم من الهرب و النجاة. بذلك يكون الخير قد كسب جولة من جولات الصراع, لكن أنَّى للشر أن يهدأ و يقبل بالهزيمة؟!

يواصل بكر دسائسه و يعرف أنه لن يقوى على تاجدين و أن نقطة ضعف خصمه هي قصة حب مم و زين التي شاعت في جزيرة بوتان و تناقلها الناس حتى وصلت إلى مسامع بكر الذي قام بدوره بإبلاغ الأمير عما يتناقله الناس من أمر يمس شرفه . و بعد إقرار مم أمام الأمير بحبه للأميرة زين يقوم الأمير بزجه في السجن مما يدعو إلى توتر شديد في العلاقات بينه و بين تاجدين الذي يقوم بعد عام على سجن مم بحشد قوة عسكرية للمطالبة بتحرير مم أو تسليم بكر لقتله.

يعلم بكر أن الوضع خطير فقد يساوم الأمير على دمه و يسلمه للثائرين, فيعمد إلى نصح الأمير بالخديعة و التظاهر بأنه سيزوج مم و زين لأجل إرضاء تاجدين و أخويه و يقنعه أن الأمر مجرد خدعة و أنه يستطيع القضاء على تاجدين بتسميمه!

في النهاية ينتصر الشر ظاهرياً فلا يحظى مم بالزواج من محبوبته و يؤدي بكر دوره المرسوم له بإتقان حتى نهاية القصة و مقتله على يد تاجدين كرمز للإنتصار النهائي للخير.

لكن هل صحيح أن بكر يمثل الشر المطلق و تاجدين يمثل الخير!! هذا ما يجيبنا عليه الشاعر في مشهد أخير يلخص فيه فلسفته في العشق و التصوف و الوجود, إذ نجد بكراً يفلسف وجوده و يبرر أفعاله التي كانت في ظاهرها شراً سبب الأذى للعاشقين, لكنها كانت في الباطن لخيرهما, أما تاجدين فقد كان سيسبب الأذى لهما لو تحقق ما يريده و لأفسد ذلك الحب النقي الطاهر بالزواج في الدنيا.

بالإضافة إلى ذلك فإن خاني يؤمن بما يمكن أن نسميه الوجود الضروري للشر و الخير, أو ضرورة الأضداد:

هؤلاء الصادقون المستقيمون و طلاب الخير، وهؤلاء الكذبة والمنحرفون والأشرار

أهل جهنم والعذاب، واللائقون بالجنة والثواب

أتعرف الحكمة في كونهم جميعاً أضداد وأنداداً؟

لأنه إذا لم يكن ثمة اختلاف، لاستحال التمييز و التعارف.(الأبيات1124, 1126)

كما أن الجبرية التي نادى بها خاني يمكن أن تلقي بعض الضوء على ما يقوم به بكر, فهو لا يعمل شيئاً بإرادته و كل ما يفعله مقدر عليه من الأزل و هو ينفذ مشيئة الله الذي أراد لهذا العشق أن يسمو و ينتهي نهاية مأساوية في الظاهر بينما هو في الحقيقة عشق منتصر على النزوات و المتع الحسية لذلك يُتَوَّجُ باللقاء في الجنة بين العاشقين اللذين حرما من نعمة الوصال في الدنيا.

ثانياً_ الشخصيات الثانوية:

تلعب بعض الشخصيات أدواراً ثانوية يكون بعضها مهماً جداً مثل دور المربية العجوز(مربية زين و ستي التي يقول عنها خاني: كان اسمها لتقدمها في السن (حيزبون) التي تسعى إلى جمع شمل العشاق, و كذلك دور العراف الذي يكشف للعجوز سر العاشقين المجهولين اللذين هاما بحب الأميرتين.

أما شخصية ستي شقيقة زين فهي سلبية و بسيطة و ليس لها دور سوى مواساة زين و لا يظهر اسمها بعد زواجها إلا نادراً.

أما عارف و ?كو , و هما شقيقا تاجدين فهما شخصيتان لا تظهران إلا في الاستعراض العسكري الذي يقوم به تاجدين للمطالبة بإطلاق سراح مم, و كذلك يحضران جلسة الشطرنج الشهيرة لمساندة العاشق مم.

هناك أيضاً شخصية تظهر مرة واحدة لأداء دور مفاجئ و هي شخصية ?ر?ين صديق مم, و ينحصر هذا الدور في إخبار تاجدين بالمؤامرة التي حيكت ضد مم في القصر.

أما الشخصية التي تلعب وراء الحجب فهي شخصية الراوي الذي يلح الشاعر في عدة أماكن من القصة على حضوره القوي. و الذي نلاحظه لدى الشاعر في أمر الشخصيات أنه يحركها كيفما يشاء فتظهر و تختفي في اللحظات المناسبة, و لأن الشاعر مهتم بالتركيز على محور القصة الذي تدور حوله الشخصيات الرئيسة فإنه يهمل الشخصيات الثانوية التي تبدو مسطحة تماماً, كما أنه يشعرنا بشخصيات لا تلعب أي دور مهما كان صغيراً مثل شخصيتي والد تاجدين و والد مم و هما موظفان كبيران في ديوان الأمير زين الدين.

تأثير أحمد خاني في الأدب الكردي:

استوعب الشاعر أحمد خاني الثقافة التي سبقته و اطلع عن كثب على الآداب الفارسية و العثمانية و العربية و الكردية بلغاتها الأصلية. و ظهرت ثقافته الموسوعية مبثوثة في ثنايا هذه القصة الرائعة, فالتصوف الإسلامي يشغل حيزاً كبيراً من فكره, و ثمة إشارات عديدة إلى شعراء فرس كبار و موضوعات تطرق إليها أولئك الشعراء. كما نجد في المقدمة آثاراً واضحة لتأثره بالتيارات الفكرية الإسلامية واطلاعه على الجدل الذي كان قائماً بين تلك التيارات. لقد استطاع الشاعر الكبير أن يصهر كل ذلك في بوتقة قصته و ينفخ فيها من روحه المبدعة ليعطي بذلك الأدب الكردي دفعاً قوياً إلى الأمام. و بتعبير المثقف الكردي حمزة مكسي: إذا كان الفردوسي قد أحيا الأمة الفارسية فإن خاني أنقذ الأمة الكردية من الموت المحتم.(59)

و شاعر بهذا الحجم لا بد أن يكون له تأثير كبير في الأجيال اللاحقة, و بالفعل فقد قلده كثيرون من الشعراء في أساليبه و مضامينه الشعرية أيضاً. و قد أصبحت مقدمته القومية و شكواه من جور الزمان و إهمال اللغة الكردية و الافتقار إلى قائد كردي حكيم , مثل البكاء على الأطلال عند الشعراء العرب. فقد جاء بعده كثيرون كرروا كلامه بما يشبه التكرار الحرفي و نهجوا منهجه في الدعوة إلى اليقظة القومية و لكن أحداً منهم لم يبلغ شأوه. و من الذين تأثروا به تأثراً واضحاً:

1- عبد الرحمن آق ت?ي(روحي):

هو الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ حسن النوراني الذي كان من علماء الدين الأفاضل و من أعيان الطريقة الخالدية النقشبندية, و كانت له مدرسة دينية.

و لد في بلدة آق ت?ه من قضاء ?نار التابع لديار بكر في كردستان الشمالية عام 1270 = 1850 م, و كان والده من أعيان الطريقة النقشبندية, اشتهر بمنظومته الشعرية(روض النعيم) التي نظمها على بحر المتقارب في مئات من الأبيات, و تحكي هذه المنظومة عن فضائل النبي و معجزاته. و له إلى جانب ذلك ديوان شعر جميل في الغزل و مواضيع أخرى كما أن له كتاب (الإبريز في إثبات القِدَم للكتاب العزيز) و كتاب( كشف الظلام في عقائد فرق الإسلام). توفي عام 1326= 1910 م في مسقط رأسه و دفن هناك و قبره يزار.(60)

إن من يقارن مقدمة خاني و ما جاء في منظومة روض النعيم لن يحتاج إلى كثير من الذكاء ليكتشف أن آق ت?ي من الذين تأثروا بأفكار خاني القومية. لقد عاش آق ت?ي حياته بعد انهيار آخر إمارة كردية مستقل عام 1847 م أعني إمارة بوتان التي كان يحكمها بدرخان ?اشا, و كانت الأوضاع قد تأزمت من جديد على الجبهة بين الإمبراطوريتين العثمانية و الفارسية(القاجارية) و أخذت جيوش الطرفين تغير مداً و جزراً على كردستان و تتخذها ميداناً لمعاركها مما أعاد إلى الأذهان ذكريات عصر خاني و كذلك شعر خاني و فكره التحرري.

يقول عبد الرحمن آق ت?ي في روض النعيم:

انظروا إلى هذه الأشعار يا من تعلمون..أي تركيب كردي صرف هي!

لقد نظمتُ من (اللغة) الكردية كلاماً حلواً رفيعاً فصيحاً

ليس هناك أحلى من الكردية و لكن لا يوجد مشترون

لو رأيت مرة مشترياً(من يقدر الأدب) لجعلتها دافقة كالنهر

لكتبت آلاف الكتب..و نظمت شعراً بالكردية

لكنني اكتفيت بهذه المنظومة, إذ لا يوجد من يقول لي: مرحى

لقد عانيت المشقة في هذه الأيام, و نظمت كتاباً كردياً

كي لا يقول الأتراك و الفرس قط: الأكراد لا يعرفون العشق!!

و هكذا فهناك شعراء من الكرد كلامهم عذب, و شعرهم في أحسن نظام

و لكننا فقدنا حميتنا فتألب علينا الترك و الفرس

إنني أبدعت هذه الألفاظ العذبة فقطعت بذلك لسان الترك و الفرس(61)

و يتحدث الشاعر آق ت?ي مثل سلفه خاني تماماً عن كساد سوق الأدب و يعزوه إلى انعدام قائد يرعاه فيقول:

ليست غايتي من هذا الكتاب عرض مهاراتي, بل أن أترك أثراً في الدنيا

كي لا يقول الترك و الفرس أبداً: لا يوجد في الكرد شاعر كتب مصراعاً واحداً

إعلموا أن في الكرد شعراء تفوقوا على عشاق الترك و الفرس

و لكننا نفتقد إلى رئيس و صاحب يهتم بالشعر الجميل

فلو كان لنا حاكم عارف بالجوهر و قيمته

لخرج كثير من الشعراء الكرد كالنغمات الساحرة من الموسيقى.(62)

إن ظروف كردستان في عهد خاني و التي كانت مثلها ظروفُ كردستان في عصر آق ت?ي جعلت فكر أحمد خاني يحتفظ بطراوته و تأثيره و لو بعد مرور قرنين من الزمان.

2 _ الشيخ محمد جان(خاكي) :

هو شقيق الشاعر المار ذكره, ولد سنة 1858 في آق ت?ه و تتلمذ كأخيه على يد والده الشيخ حسن ثم ترقى في مدارج العلوم حتى نال الإجازة ثم سافر إلى دمشق و أصبح من خلفاء مولانا خالد النقشبندي. نظم هذا الشاعر قصة (مجنون ليلى) الشهيرة شعراً عام 1884 م, و في الفصل المسمى سبب تأليف الكتاب نلاحظ التأثير الواضح لفكر الخاني القومي و مقدمة مم و زين التي أصبحت كما قلنا كالمقدمات الطللية في الشعر العربي القديم. يقول محمد جان:

استمع إلى صدى العاشق, هذا العاشق المبتلى الصادق

سأجعل المجنون والهاً متحيراً, و أظهر له ليلى

ستحكي القصائد الكردية الموزونة, عن حال المجنون

هناك قصائد تركية, لكن لا تمت للكردية بشيء, فالكردية كنز مخفي

....

لو كان لنا أمير, صاحب سيف و بطولات

لأصبح هؤلاء الترك و الفرس و العرب

ناقصين بالمقارنة بنا



لا يوجد لنا صاحب, و لا نعتبر بشراً بين الترك و العرب

....

لقد أخذتني العصبية لهم(للكرد), و أصابتني الغيرة في القلب و اللسان

إن الكلمات الكردية حلوة جداً, مقبولة هي و مثل الدر الثمين(63).

3 _ الشيخ محمد عسكري:

هو ابن الشيخ عبد الرحمن آق ت?ي. ولد عام 1898 م و تتلمذ على يد والده ثم شقيقه الشيخ كربلا في المدرسة التي أسسها والده في آق ت?ه. توفي عام 1952 في قرية ?ولى.

ترك هذا الشاعر وراءه ديوان شعر و قصة شعرية بعنوان( عقدێ دُرفام).(64)

ما يهمنا من أمر هذا الشاعر (الذي عاش القسم الأخير من حياته في حكم الجمهورية التركية التي نكلت بالشعب الكردي تنكيلاً وحشياً و قضت على كل ما يمت إلى الروح الكردية بصلة) هو النَفَس القومي الذي رأيناه لدى من سبقه و حمل شعلة الكردايتي في شعره . يقول في كتابه عقدێ درفام الذي أنهاه سنة 1942:

لا مال لنا من هذا البحر, و لا قيمة للكلام في هذا الدهر

خاصة لغتنا الكردية هذه, و التي ورثناها هدية من والدينا

إن مصباح العِلْم الكردي لا يضيء في هذا العصر, لقد رأيته من دون زيت

هذه الحسناء بزينتها و بهائها و طيبتها, جيدها و صدرها و قامتها مثل الكنوز

لا أحد يلتفت إليها أعرف ذلك, لأن أرباب العلم قليلون أيها المدرس

و إذا لم يرغب ملك و حاكم في حبها بعد أن يعرف قدرها

فلا نفع في شيء و لا دواء لآلامي

إن اللغة الكردية حلوة جداً, فواأسفاه لقد تركناها.

4 _سليم بن سليمان الهيزاني:

نظم هذاالشاعر قصة يوسف و زليخا عام 1168 , و يبدو في هذه القصة أثر خاني فكراً و أسلوب نظمٍ واضحاً جداً و تكاد تكون بعض أبيات هذه القصة استنساخاً لأبيات محددة من مم و زين, بل إن القصة تضمنت كثيراً من أبيات خاني بحرفيتها. يقول سليم في الفصل الثالث الذي سمي( البند الثالث في سبب تأليف الكتاب):

إنهم(يقصد الكرد) دائمو التمرد و الشقاق و لا مذهب لهم ولا اتفاق بينهم

لا دواء لهذه العلة فيهيا تداركوا الأمر في هذا الزمان.(65)

5 _ حاجي قادر كويي(1817_1897):

ينتسب هذا الشاعر إلى مدينة كويسنجق في كردستان الجنوبية, و قد درس في طفولته في المدارس التابعة لمسجدها ثم سافر بعد فترة من الزمن إلى مدن سردشت و مهاباد و شنو في كردستان الشرقية حيث حصل عام 1863 على الإجازة العلمية ليعود إلى كويسنجق و منها يسافر إلى الآستانة(اسطمبول) عاصمة السلطنة العثمانية. و هناك يتصل بعائلة بدرخان ?اشا و يصبح المدرس الخاص لأبنائها.

لم يكن للشاعر حاجي قادر اهتمام كبير بالقضايا القومية قبل رحيله إلى اسطمبول و كان ينتمي إلى مدرسة الشعر الكردي التي أسسها رواد الشعر الكرمانجي الجنوبي نالي و سالم و كردي . لكنه في اسطمبول تعرف إلى الشاعر أحمد خاني عبر قصته المنظومة مم و زين الذي كان آل بدرخان يتداولونها . تأثر الشاعر الضيف بأفكار خاني القومية و كتب قصائد عديدة باللهجة الكرمانجية الجنوبية داعياً أبناء قومه الكرد إلى الاستيقاظ و الوحدة و النهوض.

لقد كانت الظروف أيضاً متشابهة بين عصر خاني و عصر حاجي( و هي ظروف تتكرر في كردستان بسبب عوامل تاريخية و جغرافية لا تخفى). و هذا ما جعل تأثير خاني أشد قوة. يقول حاجي قادر واصفاً وضع الأكراد بين رحى حرب الاإمبراطوريتين الفارسية القاجارية و العثمانية في زمنه:

نحن تائهون كالثور الأغر

بين أصحاب القلانس الحر و أصحاب القلانس السود

و دعا حاجي إلى حمل السلاح قائلاً:

إن صلاح أمركم الآن في حمل السلاح

فلا تطمعوا في العزة من دونه.(66)

6 _ الشيخ معروف النودهي(مارف نودي):

هو الشيخ معروف المنتسب إلى عشيرة البرزنجية الشهيرة. ولد في قرية نودێ بمنطقة السليمانية عام 1753 م في عهد سليمان باشا الكبير. و قد نظم على نسق قاموس نوبهار الذي ألفه خاني قاموساً سماه أحمدي عام 1895 م أهداه إلى ابنه كاك أحمد ليحفظ ما يحتاجه من كلمات اللغة العربية و هو يقع في 368 بيتاً. توفي في مدينة السليمانية عام 1838م.(67)

7_ ملا محمود بايزيدي:

ولد سنة 1797 م في بلدة بايزيد(مسقط رأس خاني) علىالمثلث الحدودي التركي الإيراني الروسي.....و أكمل دراسته فيها، و كان قد أصبح حجة عصره في تفسير القرآنو انتقل فيالعقد السادس من القرن التاسع عشر إلى مدينة أرضروم ليلتقي بالقنصل الروسي الكسندر ژابا و يصبح رفيق دربه في البحث عن كنوز الأدب الكردي المدفونة في حجرات المساجد النائية و الزوايا المنسية لرهبان منسيين.و بفضل التعاون المثمر بين الرجلين تم إنقاذ العديد من عيون الشعر الكردي و مجموعة كبيرة من الحكم و الحكايا الفلكلورية إضافة إلى أول ترجمة قام بها البايزيدي لكتاب الشرفنامة المعروف عام 1858 م و ما يزال هذا الكتاب مخطوطا في مكتبة لينينغراد العامة. و جاء في مقدمتها: ليكن معلوماً لدى العارفين أن لجميع الملل و الطوائف تواريخها إلا طوائف الأكراد فلم يكن لهم تاريخ خاص حتى عام 1000 . و كانت تواريخ تلك الطوائف مبثوثة في كتب تاريخ الأمم الأخرى إلى أن قام الأمير الفاضل الكامل شرفخان بدليسي بكتابة شرفنامه باللغة الفارسية عن الملوك و الأمراء و مجموع الطائف الكردية في بلاد الروم و إيران(......). و برغبة و همة السيد ژابا أقدمت على ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة الكردية.(68)

كما أنه كتب تاريخ كردستان الجديد بدأه من حيث انتهى شرفخان البدليسي ، و لكن لم يكشف النقاب حتّى الآن عنه و له أيضاً كتاب عادات و رسومتنامهء أكراديه (عادات الاكراد و تقاليدهم) و هو كتاب يبحث في البنية الاجتماعية للأكراد الرحّل و يتعرض لمجمل الحالة الكردية البدوية بدقّة الباحث و لكن بأسلوب ممل أحياناً لأنه لم يبوب الكتاب و بسط المعلومات دون منهج معين و هو بذلك يعتبر أبا النثر الكوردي و هذا ما يشفع له ضعف أسلوبه النثري. كما يقال أنه ساعد ألكسندر ژابا في تأليف قاموسه الكردي الفرنسي الذي طبع بعد وفاة ژابا سنة 1879 م و قد جمع هذا القاموس حوالي خمسة عشر ألف مفردة كردية. بالإضافة إلى لعبه دوراً سياسياً في المنطقة الكوردية و النزاع بين الحكومة و الزعماء الكورد. فقد توجه إليه المشير حافظ باشا ليقوم بدور الوساطة بينه و بين الأمير الكردي الثائر بدرخان ?اشا, و يؤكد ژابا أن ملا محمود بايزيدي قد نفذ مهمته و أن المشير كان راضياً عن أدائه. و قد قام البايزيدي مرة أخرى بدور الوساطة بين كامل بك حاكم أرزروم و نور الله بك في حكاري. و قد تعرض البايزيدي للاعتقال عقب انتفاضة قامت في وان كان يقودها خان محمود لاعتقاد كامل بك بضلوعه فيها.(69)

لقد كان عمل البايزيدي ترجمةً لافكار خاني حيث سعى إلى صون التراث الكردي و حفظه من الضياع و تسليمه إلى قنصل أجنبي و هذا ذكاء منه لأن القنصل لا شك سيبعثها لبلاده و يحفظها في المتاحف الخاصة فيحميها من الضياع على يد من لا يقدرون قيمة تلك الكنوز.

و كان البايزيدي قد كتب رسالة في اللغة الكردية سماها (تحفة الخلان في زمانى كردان= أي تحفة الخلان في اللغة الكردية).(70)

كما قدَّم البايزيدي لكتاب على التره ماخي في القواعد العربية باللغة الكردية, و تطرق فيها إلى جوانب من أساليب و طرق تدريس العلوم الإسلامية في المدارس التابعة للجوامع و المساجد و يسرد بصورة موجزة سيرة حياة علي التره ماخي.(71)



8_ اسماعيل البايزيدي:

يتفق معظم الباحثين على أن إسماعيل البايزيدي كان من تلامذة الشاعر أحمد خاني المباشرين. فقد ولد و عاش في بايزيد في نفس الفترة التي عاش فيها خاني. يقول د. بله ج شيركو: هو من أهالي بايزيد , ولد سنة 1654 و اقتدى بالشيخ أحمد خاني, و له قاموس صغير في اللغات الكردية و الفارسية و العربية يسمى كامزار(كذا في الأصل و الصحيح ?لزار) و له قصائد رنانة و أشعار لطيفة باللهجة الكرمانجية(الشمالية), توفي سنة 1709 و قبره ببايزيد مشهور.(72)

أما ألكساندر ژابا فيقول: هو من شعراء كردستان ينتسب إلى بايزيد و هو من تلاميذ أحمد خاني ولد سنة 1065 و توفي سنة 1121 , و له كتاب في اللغة يسمى(?لزار) باللغتين العربية و الفارسية يتعلم به أولاد الكرد الذين يطلبون العلم. و له بالإضافة إلى ذلك من الغزل و الأشعار و الأبيات الشيء الكثير و هي باللغة الكردية. و كان مشهوراً و معروفاً في موطنه. توفي و دفن في بايزيد.(73)

و بمقارنة ما كتبه د. شيركو و المستشرق ژابا , نجد أن الإثنين قد أكدا أن خاني هو أستاذ اسماعيل, لكن الغريب أن تاريخ ميلاد خاني مقارب لتاريخ ميلاد اسماعيل( خاني أكبر منه بأربع سنوات فقط) و هذا ما يبعدنا عن احتمال كون خاني استاذاً لإسماعيل. بل نرجح بينهما نوعاً من الصداقة القوية و تأثيراً من خاني عليه ظهر في نتاجاته التي لم تظهر إلى الآن مع الأسف الشديد.

أخيراً فقد أثَّر أحمد خاني بفكره في جيل من المثقفين المتنورين الذي حملوا راية النهضة في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين, و لم يكن عبثاً أن مؤسس أول جريدة كردية(مقداد بدرخان ?اشا) أشار منذ العدد الثاني من جريدته(كردستان) التي صدرت عام 1898 م فصولاً من مم و زين أثارت اهتماماً واسعاً بين القراء الكرد و بين العلماء الأوروبيين المهتمين بالكردولوجيا. و لقد كتب المستشرق الشهير مارتين هارتمان: إذا كانت جريدة كردستان قد استطاعت إثارة هذا الاهتمام في تجربة أولية, فقد أسعدني ذلك حين طالعت مم و زين ابتداءً من العدد الثاني.

آثار أحمد خاني الأخرى:

أولاً: نوبهارا ب?وكان

هو قاموس شعري يتألف من 216 بيتاً على أوزان عروضية بلغت ثلاثة عشر وزناً( البحور الأساسية هي سبعة). قام الشاعر بالفراغ من نظم القاموس و عمره ثلاث و ثلاثون عاماً و ذلك بناء على الحاجة الملحة لتفسير بعض المفردات العربية. و قد نوَّه الشاعر في فاتحة القاموس النثرية المسجوعة أنه نظم هذه المفردات مشروحة لأجل أطفال الكرد الذين يختمون القرآن و يبدؤون منهاج التعليم الجديد. و قد بلغ عدد المفردات العربية المشروحة حوالي ألف مفردة.

و تحدث الشاعر في المقدمة عن المبادئ الأولية التي يجب تعلمها و هي معرفة الله و رسوله و الخلفاء الاربعة و العشرة المبشرين بالجنة و أئمة المذهب السني الأربعة و لمحات من سيرة الرسول كمسقط رأسه و محل دفنه و عمره حين بُعِثَ نبياً و حين توفي... إلخ.

إن خاتمة هذا القاموس المنظوم أيضاً مثل فاتحته نثرية مسجوعة بين فيها الشاعر و عن طريق الأحاجي الرقمية سنة و شهر و يوم تأليف القاموس.

طبع هذا القاموس مرات عديدة و اعتنى به أهل العلم في كردستان و كان ضمن المناهج الدراسية الدينية.

ثانياً: عقيدا إيمانى

يسميها البعض (عقيده نامه) وهي منظومة شعرية تعليمية في العقيدة الإسلامية تتألف من أكثر من سبعين بيتاً على بحر المتقارب. و قد بسَّط فيه خاني أركان الإيمان و تحدث عن صفات الله المعروفة( الحياة, العلم, الإرادة, القدرة, الكلام, السمع, البصر) و يؤكد على أزلية هذه الصفات و أنها قديمة قدم الذات.

و ما يلفت النظر أكثر من أي شيء آخر في هذه المنظومة هو في الظاهر تناقض الشاعر الصريح مع نفسه في مسألة الجبر و الاختيار.

فلقد رأينا خلال دراستنا الموجزة لقصة مم و زين أنه مؤمن بالجبرية و أنه يعزو كل فعل للعبد إلى الله و يطلب بناء على ذلك من الله ألا يعذب بني آدم بل يدخلهم كلهم الجنة. كما رأيناه يجادل الله في مسألة طرد إبليس و لعنه دون (أي ذنب ارتكبه) سوى تنفيذه للمشيئة الإلهية الأزلية بعدم السجود.!!

لكنه في هذه المنظومة يقول:

إعلم أن العبد يختار الفعل و ليس خالقاً له أو مجبراً عليه.

كيف نحل هذا الإشكال و التناقض إذاً !؟

أعتقد أن خاني كتب هذه المنظومة و بسط فيه العقيدة الإسلامية( الأشعرية) كما هي و ليس بالضرورة كما يعتقد هو. ثم إنه كتبها و هو في مرحلة الشباب, أما مم و زين فقد نظمها في مرحلة النضج الفكري و قد تجاوز الأربعين من عمره و تجاوز أفكاره بشأن الجبر و الاختيار, فما نراه إذاً تحول فكري و ليس تناقضاً في القول, فلا يمكن لمفكر بمستوى خاني أن يتناقض مع نفسه في مسألة هامة جداًً و حساسة كالجبر!

بعد ذلك يتعرض الشاعر لبعض المبادئ الأخرى مثل عدم خلود المؤمنين في النار, و عدم الحكم بكفر مرتكب الكبيرة, و رؤية الله عياناً في الجنة, و ينفي الشاعر مبدأ الحلول و التناسخ و الاتحاد و عدم الإيمان بالهيولى( المادة الأساسية في الخلق, و أقد أكثر من الحديث عنها في مم و زين) و أن القائل بِقِدَم الدنيا كافر. بعد ذلك يتحدث عن الصحابة و من هو الأفضل فيهم.....إلخ. و يختم الشاعر منظومته كالعادة بالدعاء لنفسه و مناجاة ربه و طلب الغفران له و للمسلمين.

ثالثاً: ديوان شعر

نشر الأستاذ إسماعيل بادي عام 1996 عشرين قصيدة من قصائد خاني في كتاب واحد و تحدث في المقدمة عن الجهود التي بذلها الباحثون من قبله لجمع تلك القصائد مثل د. مسعود مصطفى كتاني و فرهاد شاكلي و غيرهما.(74)

إن الجهد الذي بذله الأستاذ بادي جهد مشكور و ما قام به من تحقيق للقصائد و ضبط مفرداتها يدل على عقليته العلمية البحثية التي يفتقر إليها كثير من الذين يتعرضون لنشر تراثنا الثقافي الكردي. لكن الثغرة الوحيدة في عمله حسب اعتقادي هو عدم وجود شرح أو معجم صغير لكلمات تلك القصائد التي نشرها كما هي, و هي نصوص كلاسيكية منغلقة على الفهم المعاصر بسبب تراكيبها و مفرداتها الغريبة.



و في الحقيقة فقد كنت مهتماً بالبحث عن قصائد خاني و استنساخها من الكشكولات الموجودة لدى المهتمين فما ظفرت سوى بتسع قصائد منها, و كان آخرها قصيدة رأيتها منشورة في مجلة سروه التي يصدرها مركز صلاح الدين الأيوبي لنشر الثقافة و الأدب الكردي في أورمية أثناء زيارتي لكردستان الشرقية عام 1996 .

إن بعض قصائد خاني لا تقل روعة و قوة و تماسكاً عن قصائد الجزري الشهيرة, فقد نفث فيها روحه العبقرية و بث فيها أفكاره التي تلتقي مع أفكاره المبثوثة في مم و زين, و حبذا لو قام طلاب الآداب في جامعاتنا الوطنية بالغوص في بحار الخاني و استخراج درره الكامنة للقراء و المهتمين و بيان أن خاني من أمراء البيان الكردي و القابض على أعنة اللغاتو و ليس فقط باعث الروح القومية الكردية.

و في عام 2005 صدر عن دار س?بيريز في كردستان الجنوبية ديوان خاني مع شرحٍ وافٍ للمفردات قام به الأستاذ تحسين إبراهيم الدوسكي و في الحقيقة فقد سررت أيما سرور لدى استنساخي هذا الكتاب القيم من موقع الدار المذكورة على الانترنيت, و لدى اطلاعي على طريقة المؤلف و جهده المبذول في الشرح و ضبط الكلمات أدركت أنه الكتاب الأكمل إلى الآن عن ديوان خاني, و كان من فضائله علي أن نبهني إلى كتاب الفاضل عبد الله ڤارلي الذي نشر فيه تلك المعلومات القيمة جداً عن خاني و حياته مما يجعل جميع الباحثين مدينين له بالفضل و الأسبقية.(75)

نتاجات أخرى!!

يجزم بعض الباحثين بأن القصة الشعرية يوسف و زليخا هي من تأليف خاني, و منهم محمد أنور علي إذ يقول: نظمها أحمد خاني شعراً موزوناً مقفىً على الطريقة الفارسية(!!)و على أساس من الرواية و القالب الشعري.(76)

و قد أعلن المجمع العلمي الكردي في بغداد أن نسخةً من يوسف و زليخا كتبها خاني موجودة في إحدى المكتبات الخاصة ولكن تبين فيما بعد أن تلك النسخة عبارة عن نسخة مطابقة لنسخة أخرى موجودة في خزائن المخطوطات في كل من برلين و لينينغراد(بطرسبورغ) كتبها سليم بن سليمان.(77)

إن قارئ يوسف و زليخا يدرك بسهولة إن كان قد اطلع على مم و زين أن هذه القصة الشعرية تقليد لأسلوب خاني في كل شيء, في اللغة و موسيقى الشعر و الصور الفنية و حتى مصاريع كاملة جاءت كما هي في مم و زين و اتخذت مكاناً لها في يوسف و زليخا. و غير خافٍ أن صاحب يوسف و زليخا غير متمكن من هذا الفن الشعري و يتكئ في كل شيء على سلفه العظيم أحمد خاني( و ربما كانت النسخة التي اطلعت عليها مشوهة و محرفة بأيدي النساخ على مر الزمن).

و لقد نسب بعضهم هذه القصة إلى الشاعر الكردي فقى طيران, إلا أن جامعي ديوانه ينفيان هذا الادعاء قائلين: ذاك الرأي القائل إن يوسف و زليخا من نظم فقى طيران ليس رأياً صائباً, بل القصة من نظم شاعر يسمى سليم, و أسلوبها قريب من أسلوب مم و زين, و هو بهذا يعد من تلامذة أحمد خاني, و في خاتمة القصة يصرح الشاعر باسمه قائلاً:

يا ربْ بِه جَمالا ذاتِ سَرْمَدْ آزاده بِكِي سَليمَ ئى بَد(78)

و معناه: يا رب بحق جمال ذاتك السرمدية, فك قيود سليم السيء.

و من النتاجات التي نسبت إلى خاني قصة مجنون ليلى المنظومة, و قد أعلن المجمع اللغوي الكردي أيضاً عثوره على نسخة مخطوطة كتبها أحمد خاني من مجنون ليلى, إلا أن رئيس اللجنة التي عثرت على المخطوط أبدى شكوكه في نسبة القصة إلى أحمد خاني و لم يبت فيها نهائياً.(79)

و المعروف أن هذه القصة الشعرية كتبها الشاعر الكردي المعروف بـ ( سوادي). يذكر أن القصتين أعني (يوسف و زليخا) و ( مجنون ليلى) قد طبعتا مؤخراً في دهوك الزاهية و نشرتهما دار س?يريز بتحقيق الأستاذ تحسين إبراهيم الدوسكي عام 2004 بعد أن كانت الباحثة الروسية مار?ريتا رودينكو قد نشرتهما في موسكو .

و هناك أقوال شائعة عن أن خاني ألف كتاباً في الفلك و قد سمعت من مجاور قبره هذه المعلومة, كما أن جلادت هاوار نشرها في جريدته هاوار لكن ذلك لا يعول عليه في البحث العلمي. و قد نسبت كتب أخرى إلى الشاعر لم نفصل في أمرها دفعاً للملل و سداً لباب الاجتهادات الخاطئة, لكننا نقول في النهاية: ربما كانت لهذا الشاعر نتاجات ضاعت و قد نكتشف ذات يوم قصيدة له أو كتيباً صغيراً هنا و هناك, إلا أن ما بين أيدينا من نتاجه يكفينا الآن لنرسم إطاراً واضحاً لفكره و عبقريته.







اقتباس

اقتباس
إحالات و هوامش:
1. بب
2. فه رهه ن?ا نو به هار. شرح ?رويز جيهاني. اورمية ط1 1988. و حول حصول خاني على الإجازة العلمية( و هي ما توازي شهادة التخرج) يقول إسماعيل بادي إن خاني حصل عليها في جزيرة بوتان. انظر ( ژ هه لبستين ئه حمه دێ خاني) ?ا?خانا هاوار. دهوك. 1996
3. علاء الدين سجادي. ميژووي ئه ده بي كوردي. ص 194. و هنا نود أن نبدي تحفظنا حول هذه المعلومة و غيرها من المعلومات التي وردت في كتاب الباحث علاء الدين سجادي و بعض الكتب الأخرى فهي أقرب إلى القصص منها إلى الوثيقة البحثية و التاريخية.
4. مه م و زين. ئاماده كردن و ?ه راويزنوسينى: هه ژار. Weşanên Enstîtuya Kurdî ya Parîsê. 1989
5. يمكن للمستزيد مراجعة نسخ مم و زين المشروحة مثل نسخة محمد أمين بوز أرسلان و نسخة ?رويز جيهاني و محمد أمين أوسمان و غيرهم.
6. تاريخ الكرد و الكردستان. ج1 ص 206. و قد كتب المؤلف في هامش الصفحة نقلاً عن الرحالة العثماني أوليا ?لبي صاحب سياحتنامه: كان من مخلفات هذا الأمير سبعة أحمال جمال من الكتب النادرة, و كانت المكتبة الخاصة للأمير تحوي أكثر من أربعة آلاف نسخة من الكتب القيمة, أما تأليفاته الخاصة فبلغت ستة و سبعين كتاباً و مئة و خمس رسائل بالعربية و الفارسية. و في الشرفنامه أن بدليس كانت خَرَّجت مشاهير العلماء و أوفدتهم إلى خارج الإمارة و منهم مولانا محمد برقعلي الذي تواجد في جزيرة بوتان و كان مدرساً فيها.
7. دلى خاني أ?َرْ ?ِي ?َنْجه خانه شُكُرْ قَطْ كَسْ نَ?و خاني بِه ?َنْدان.
8. تاريخ الدولة العلية العثمانية. تأليف محمد فريد بك. تحقيق: د. إحسان حقي. دار النفائس . بيروت. ط7 1993. ص191. انظر كذلك: الإمبراطورية العثمانية تاريخها السياسي و العسكري. تأليف سعيد برجاوي. بيروت 1993. ص 94.
9. شرفنامه. ص 151.
10. المصدر السابق ص432.
11. المصدر السابق ص 432.
12. الإمبراطورية العثمانية. تاريخها العسكري و السياسي ص 158.
13. راجع الأبيات من 221 و حتى 225 من مم و زين.
14. تاريخ الدولة العلية العثمانية. ص 285.
15. شرفنامه. ص 12.
16. تاريخ الكرد و كردستان. ص 204.
17. بدائع اللغة . قاموس كردي فارسي. تأليف علي أكبر كردستاني . تحقق محمد رؤوف توكلي. ترجمة جان دوست. 1997. ص 34.
18. تاريخ الكرد و كردستان. ص 192. و انظر Kela Dimdimê: jan Dost. 1991: weşanên Rewşen: Bonn. Almanya: 1991
19. الشاه عباس الكبير. د. محمد بديع جمعة. دار النهضة العربية. بيروت. 1980. ص 164.
20. الإمبراطورية العثمانية. تاريخها السياسي و العسكري. 161.
21. تاريخ الدولة العلية العثمانية. ص 290.
22. هذه المعلومات مأخوذة من المصدرين السابقين و على مدى صفحات عديدة و يمكن للمستزيد مطالعتها هناك.
23. تاريخ الكرد و كردستان. ص 202. 203.
24. شرفنامه. ص 4.
25. نفس المصدر ص 16.
26. نفس المصدر ص 16.
27. نفس المصدر ص 16.
28. نفس المصدر ص 15.
29. نفس المصدر. ص 432.
30. نفس المصدر . ص 12. 13.
31. مم و زين. الابيات من 226 حتى 229.
32. شرفنامه. ص 234.
33. نفس المصدر. ص 14.
34. نقد و ترجمة لمختارات من ديوان الملا الجزري. عبد الوهاب حسين الكرمي. ط1 دمشق.
35. أحمد خاني شاعراً و مفكراً. فيلسوفاً و متصوفاً. د. عز الدين مصطفى رسول. مطبعة الحوادث. بغداد 1979.
36. Memê Alan: weşanên Avesta 1997Stenbol ص10
37. تاريخ الكرد و كردستان. ص 426.
38. ممى آلان. طبعة دمشق. غير مؤرخة. من مقدمة بتوقيع Çîroknivîs و هو الدكتور نور الدين زازا.
39. المصدر السابق.
40. مه م و زين. شروڤه كرن و ڤه كولينا ئه مينى ئوسمان. مطبعة الجاحظ .بغداد. 1990.ص 6, 7, 8.
41. Memê Alan: Avesta. ص 15.
42. راجع في هذا الكتاب خاتمة مم و زين.
43. Memê Alan: Avesta. ص 5.
44. مه م و زين.ئه مينى ئوسمان. ص 411.
45. تاريخ الكرد و كردستان. ص 390.
46. أحمد خاني..د. عز الدين مصطفى رسول. ص 204.
47. مناقشات حول الشاعر الكردي خاني. رشيد فندي. مطبعة الجاحظ. بغداد 1986. ص 16.
48. نفس المصدر و الصفحة.
49. مم و زين. تحقيق و ترجمة جان دوست. ط1 1995. ص 415. طبعت هذا النسخة في دمشق سراً.
50. تاريخ أدبيات در إيران . د. ذبيح الله صفا . انتشارات فردوس 1372 تهران ج1 ص307 50.
51. 1990 - Ankara . Akçag yayinlari . Fuzûlî Divani
52. بدائع اللغة. ص 135.
53. معجم البلدان. ياقوت الحموي مادة إربل.
54. أبو العلاء المعري. المنتخب من اللزوميات . نقد الدولة و الدين و الناس. اختاره و قدم له بدراسة عن المعري: هادي العلوي. مركز الأبحاث و الدراسات الاشتراكية في العالم العربي ط1 دمشق 1990. ص 44.
55. سيكولوجية الجماهير. غوستاف لوبون. ترجمة و تقديم هاشم صالح. دار الساقي . بيروت ط1 1991. ص 127.
56. المنتخب من اللزوميات. هادي العلوي. ص 41. 42.
57. مه م و زين. ئه مينى ئوسمان. ص 7.
58. شرفنامه. ص 116. 117. 118. لكن شرفخان يحدثنا عن أحد حكام العمادية باسم الأمير زين الدين عاش أيضاً في عهد تيمورلن? و ربما كان يحكم الجزيرة أيضاً. وهناك أمير اسمه عز الدين شير( و الكرد يلفظون الاسم أزدين) كان حاكماً لحكاري و امتدت سلطته إلى مناطق واسعة من كردستان و حتى بدليس و خلاط و وان عاش في فترة فتوحات تيمورلن?.
59. مم و زين. مطبعة آراس حلب 1947. من مقدمة حمزة مكسي الذي هو من الناشطين في الحركة الثقافية و السياسية الكردية في بدايات القرن العشرين, أصدر في اسطمبول عام 1918 جريدة ژين الأسبوعية باللغتين الكردية و التركية و كان أول من طبع مم و زين و قدم له عام 1919 في اسطمبول. توفي في قرية دو?ر التابعة لبلدة تربه س?ي في كردستان الغربية.
60. Rewdeneîm. Şêx Evdirehmanê Axtepî.çapa pêşî. Stockholm 1991
61. روض النعيم .طبعة اسطمبول بالأحرف العربية. 1966. ص17.
62. نفس المصدر.البند الخامس في سبب تأليف الكتاب.
63. Şêx Mihemed Can. Leyl û Mecnûn. Weşanên çanda Kurdî. Stockholm 1992
64. Iqdê durfam . Şêx Eskerî. Wergêr ji tîpên Erebî: Zeynilabidîn Zinar(Kaya) Stockholm 1989
65. من نسخة بخط يد ملا رمضان برزنجي..بتاريخ 1979م و من الواضح أنها غير منتهية. قد تكون هذه النسخة قد تم تحريفها على يد النساخ العديدين, إذ لاحظت أن هناك تقديماً و تأخيراً في الأبيات لم ينتبه إليه الناسخ ملا رمضان.و قد اطلعت عبر الانترنيت على النسخة التي قدم لها و حققها الاستاذ تحسين ابراهيم الدوسكي فكانت مطابقة للنسخة التي بحوزتي. و للمستزيد مطالعة ذلك الكتاب للاطلاع على تلك الملحمة الشعرية.
66. جميع هذه المعلومات مقتبسة من مقدمة ديوان حاجي قادر كويي المطبوع عام 1986 من قبل: سردار حميد ميران و كريم مصطفى شارزا.
67. مجلة كاروان العدد 24 ايلول 1984. السنة الثانية. انظر أيضاً كتاب: نوبهار خاني و أحمدي معروف النودهي. باللغة الكردية. علي فتاح دزه يي. مطبعة الثقافة و الشباب. أربيل 1985.
68. تواريخ قديم كردستان. ملا محمود بايزيدي. موسكو 1986. ص4. و هذا الكتاب ترجمة لكتاب شرفنامه المشهور.
69. من تاريخ الإمارات في الإمبراطورية العثمانية. د. جليلى جليل. ترجمة محمد عبدو النجاري. دمشق ط1 1987. ص132.
70. مخطوطات فريدة و مطبوعات نادرة. د. معروف خزندار. بغداد 1978 ص 38.
71. المصدر السابق ص44.انظر كذلك مقدمة م. رودينكو لكتاب عادات و رسومتنامه ء أكراديه.
72. القضية الكردية.د. بله ج شيركو. منشورات رابطة كاوا للثقافة الكردية. ط1 بيروت 1986. ص27.
73. مخطوطات فريدة..ص 74.
74. ژ هه لبستين ئه حمدێ خاني. اسماعيل بادي. ص5.6.
75. جواهر المعاني في شرح ديوان أحمد الخاني. تحقيق و ترجمة تحسين ابراهيم دوسكي. منشورات دار س?يريز. دهوك 2005.
76. فلسفة التصوف في ديوان مم و زين. رسالة جامعية أعدها محمد أنور علي. جامعة القديس يوسف. معهد الآداب الشرقية. بيروت. غير مطبوع.
77. أحمد خاني. د. عز الدين مصطفى رسول. ص36.37.
78. ديوانا فقى ته يران. سه عيد ديره شي و ?يزانى ئاليخان. ?ا?خانا الحوادث. به غدا 1989.
79. أحمد خاني. د. عز الدين مصطفى رسول. ص36.




[marq="3;right;3;scroll"]يتبع...ويمكن فتح باب المناقشات حول أركان القصة والترجمة...[/marq]


توقيع  مصطف عبدي

 

" كن صامتاً أغلب الأحيان، ولا تقل إلا ما هو ضروري، وبقليل من الكلمات، وفيما ندر إن توفرت لك فرصة الكلام، تكلم ... لكن لا تقل أول شيء يأتي بخاطرك"
    رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [ 5  ]
قديم 2011-03-29, 12:08 PM مصطف عبدي غير متواجد حالياً
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي


مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي
افتراضي رد: الدُّرُّ الثَمِين في شرح مَمْ و زين(حصريا من الكاتب على منتديات كوباني)
اقتباس
مشاهدة المشاركة المشاركة الأصلية كتبت بواسطة welato
ايه وينك من زمان يا رجل

مشكور مصطف أبو دلشاد على الجهد الذي بذلته في إخراج هذا العمل النفيس إلى نور المنتدى

شكراً لقلمك جان وإنا لفخورون بك أديباً وإنساناً

مشكور لهذا الكلام الجميل يا ايها الشاب النبيل....طبعا سأحاول إخراج العمل على فترات، لضخامته، ومن هنا سأبدأ بمناقشة الكاتب فكرة:

السبب في الاكتفاء بعملية الشرح والمدح لنقل دون توجيه اي علائم نقد...طبعا انا راعيت فكرة ان العمل هو للشرح ولكن كنت سوف أكون أكثر سعادة لو اني وجدت نقدا للكاتب الامير احمد خاني وخاصة في قصة التناقض الكثير الذي وجدت وقوع الخاني فيه....طبعا لاحقا سأعرض جملاً وأفكار نقدية في ساعتها مع كل سلسلة نشر للمجموعة..اتمنى لو اني وجدت تعقيبا من الكاتب ذاته على فكرتي السابقة.


توقيع  مصطف عبدي

 

" كن صامتاً أغلب الأحيان، ولا تقل إلا ما هو ضروري، وبقليل من الكلمات، وفيما ندر إن توفرت لك فرصة الكلام، تكلم ... لكن لا تقل أول شيء يأتي بخاطرك"
    رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [ 6  ]
قديم 2011-03-29, 12:33 PM Pianist غير متواجد حالياً
Pianist
:: كاتب ملكي::
الصورة الرمزية Pianist


Pianist لديه الكثير لنكون فخورين بهPianist لديه الكثير لنكون فخورين بهPianist لديه الكثير لنكون فخورين بهPianist لديه الكثير لنكون فخورين بهPianist لديه الكثير لنكون فخورين بهPianist لديه الكثير لنكون فخورين بهPianist لديه الكثير لنكون فخورين بهPianist لديه الكثير لنكون فخورين بهPianist لديه الكثير لنكون فخورين بهPianist لديه الكثير لنكون فخورين به
افتراضي رد: الدُّرُّ الثَمِين في شرح مَمْ و زين(حصريا من الكاتب على منتديات كوباني)
شكراً لكم جميعاً وتحية للكاتب Jan Dost


توقيع  Pianist

 

إن ردك على المواضيع يزيد من تواجد المنتدى في محركات البحث، فلا تكتفي بالإطلاع والرحيل
    رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [ 7  ]
قديم 2011-03-30, 02:40 PM مصطف عبدي غير متواجد حالياً
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي


مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي
افتراضي رد: الدُّرُّ الثَمِين في شرح مَمْ و زين(حصريا من الكاتب على منتديات كوباني)

مقدمة المفكر هادي العلوي للطبعة الثانية



الأكراد أمة عريقة تستوطن إقليم الجبال منذ أمد سحيق و عرف الإقليم في حقبة متأخرة باسم كردستان و كان الجغرافيون المسلمون يسمونه إقليم الجبال أو بلد الأكراد و الأخير هو معنى كردستان.

و لم تتم للأكراد دولة موحدة في إقليمهم بسبب طبيعته الجبلية التي تجعل من المتعذر إقامة حكم مركزي تمتد سلطته فوق الأنحاء المتفاصلة جغرافياً بموانع طبيعية شديدة الوعورة. لكن هذا الوضع لم يؤثر في بقاء الأكراد أمة واحدة تحافظ على خصائص و خصال مشتركة و قيم متماثلة و قد عاشت اللغة الكردية في هذا الوسط غير الموحد و بقيت لغة واحدة مع اختلاف لهجاتها, الذي يشبه ما عليه اللغة العربية و اللغة الصينية مع تعدد اللهجات قديماً و حديثاً. و قد تتباعد بعض هذه اللهجات فيصعب التفاهم إلا بلغة موحدة هي الفصحى في العربية و البوتونخوا في الصينية. و لم يطور الأكراد بعد فصحى موحدة تكون لساناً واحداً للجميع و لغة ثقافة كما هو الحال في العربية و الصينية لأن الأكراد بسبب وضعهم القبلي و الجبلي لم يستوعبوا التأثيرات الثقافية للعصر الإسلامي كثيراً فينتجوا ثقافتهم الخاصة بهم كما فعل الفرس و الأتراك. و بقي الأدب الكردي شفوياً حتى القرن الحادي عشر الهجري( السابع عشر الميلادي) حين قام أحمد خاني بثورته الثقافية الأولى في تاريخ الأكراد, فكتب الملحمة الكردية القديمة مم و زين باللغة الكردية و كانت تروى شفاهاً حتى زمانه, و أخضعها لخياله الشعري و ثقافته الصوفية فجاءت تحمل إبداعه الشخصي كأديب كبير.*

و قد استهلها بالحديث عن قضية الأكراد حديثاً قد يكون الأول في تاريخ الأكراد فتساءل: من جعل الأكراد محرومين محكومين مستعبدين بالجملة؟ و تحدث عن فضائلهم و ما اختصوا به من الشجاعة و الشهامة و الشيم الراقية و حب الخير و انهم لا يستحقون ما هم فيه من حرمان و تشتت و احتلال أجنبي. و دعا الأكراد إلى الثورة بشرط أن يجمعوا بين السيف و الفضيلة. وقال إن الدنيا مثل العروس لا تحصل عليها إلا بقوة السيف المسلول . هذا حين ينافسك عليها قوي ليغتصبها منك. و الأداة الأولى للثورة هي وحدة الأكراد المعروفين بعدم استقرار علاقات الاخوة بين عناصرهم القبلية , تلك العلة التي لا تزال تتحكم في مسيرة الثورة الكردية و تساهم في منعها من الوصول. و قد لاحظها المؤرخون العرب كالقلقشندي الذي قال إنهم أمة عظيمة و لولا تناحرهم و اقتتالهم لفاضوا على البلاد . كان خاني يدعو إلى توحيد الأكراد تحت قيادة مركزية لتحريربلادهم و بناء دولتهم . و قال إنه ألف هذه الملحمة ليستنهض الاكراد من جهة و لكي يرد على الذين يقولون إن الاكراد لا يعرفون العشق فليس فيهم ذو قلب يعشق و لا حسناء تُعشق! و العشق من مدارات الصوفية الأرأس كما تعرفنا عليه في (مدارات صوفية)** و كما هو معروف و مشهور من أسرار التصوف. على أن هدفه أبعد من مجرد تقديم البرهان على رقة قلوب الاكراد و جمال نسائهم فقد أراد أن يؤسس للثقافة الكردية المكتوبة لتمشي في موازاة الثقافة الفارسية و الثقافة العربية. و قد نجح في مسعاه و ثورته فتدفق سيل الأدب الكردي و الكتابة الكردية طيلة القرنين الماضيين و تبلورت المعجمية الكردية و المصطلح الكردي و صار بإمكان الأكراد أن يعالجوا شتى العلوم و المعارف بلغتهم, بعد أن كانوا يعتمدون في الثقافة و الأدب على اللغتين العربية و الفارسية. و قد كتب خاني بالخط العربي و يسره للحرف الكردي فنجح فيه. و اتجاه فريق من الأكراد اليوم إلى الخط اللاتيني لا يرجع إلى عيوب الكتابة بالخط العربي بل يأتي ضمن الموضة السائدة في تقليد كل ما هو أوربي. و كان من الأفضل لو رجع الأكراد إلى خطهم القديم فطوروه و كتبوا به, و الشعوب العريقة لا تغير خطها بسهولة. فاليابانيون و الصينيون و الكوريون يكتبون بالمقاطع. و التبتيون يكتبون بالحرف التبتي و المغول بالخط المغولي و الأرمن بالخط الأرمني و العرب بالعربي و هكذا.

انتشر التصوف في كردستان بثقافته الإسلامية المكتوبة بالعربي و اتخذ بعض الأقطاب زواياهم في الجبال الكردية و أشهرهم عدي بن مسافر الذي أقام بين الأكراد الايزيدية و هم نحلة باطنية قديمة حُرِّف اسمهم في في عصر متأخر إلى اليزيدية. و كان لعدي أثر في تقديس الايزيدية للشيطان الذي أعاد المتصوفة إليه الاعتبار. و ظهرت الطرق الصوفية في كردستان في طور الدروشة العثمانية الذي جاء بعد انتهاء عصر الأقطاب. لكن بعض هذه الطرق تبنَّى المطالب القومية للأكراد. و التصوف حتى في عهد الدروشة بقيت منه عناصر ايجابية تحمل على الفعل في اتجاه أهداف عادلة, كما كان حال الطريقة البكتاشية في ألبانيا أو السنوسية في ليبيا. و في كردستان نهضت بهذا العبء الطريقة النقشبندية التي قادت الثورة الكردية بين الثلاثينات و السبعينات من خلال القطب النقشبندي الملا مصطفى البارزاني.

أحمد خاني قطب صوفي في عصر الدروشة. أحاط بمذاهب الصوفية و تشرَّبها و عندما كتب الملحمة بدا كما لو أنه يستعيد خطاً مقطوعاً انتهى بعبد الكريم الجيلي في القرن التاسع إلا أنه مدين في الكثير من تصوفه إلى الصوفية الفرس في عصر ما بعد الجيلي. و هؤلاء غلب عليهم التصوف الاهتيامي الملائم للاهتيامية الفارسية في عشقها للجمال البشري و جمال الطبيعة و هم عشاق في جملتهم يكتبون عن الحب الإلهي من خلال الحب الإنسي و يتابعون اهتيامية ابن الفارض ضمن الطبيعة الفارسية بجمالها الناطق بالفن. و يبدو أحمد خاني تلميذاً لفريد الدين العطار و حافظ الشيرازي أكثر مما هو لابن عربي الفيلسوف فالغالب عليه هو الأدب و الإحساس الفياض بالجمال كما تعرضه لوحات الطبيعة الكردية التي تجمع بيبن صفات الجمال و صفات الجلال: سهول خضراء و وديان عميقة و جبال شامخة مكسوة بالغابات و عيون دافقة بالماء المعين. و قد جاءت الملحمة زاخرة بالجمال الكردي الناطق بالفن غناء و موسيقى و رقصاً و عرضت الملحمة لوحات احتفال صاخبة بمعالم الفن و الجمال و الترف المبالغ فيه تذكرنا بالملحمة الصينية( المقصورة الحمراء). و قد نقف على حوار بين طبيعة الصين في بعض ألحانها و طبيعة كردستان من حيث تداخل السهل و الجبل و الخضرة و الارتفاع مع الوديان العميقة و العيون المعينية. و تتأطر جماليات خاني الاهتيامية بالجو الصوفي فلا تفلت منه فالكاتب وفيٌّ لأساتذته و مذهبه الذي يصبح عنده منحى استشعار و استذكار و تكوين روحي مشبع بالعشق. لقد كتب الملحمة ليبرهن للناس أن الأكراد أمة عاشقة كالأمة التي عبَّر بلسانها أبو فراس الحمداني:

نحن قومٌ تُذيبنا الأعين النُّجْلُ و إنْ كنا نذيب الحديدا

و تضمنت الملحمة مفردات المذهب الصوفي بمرتبته القطبانية فدافع أحمد خاني عن إبليس و برَّر عدم سجوده لآدم لأن الله أخطأ في إعلاء شأن آدم قبل أن يظهر منه أمر عظيم يستحق عليه الإعلاء و إبليس من جانبه يأبى السجود لغير الله أي السجود للبشر. على أن خاني يعود في فصل آخر من الملحمة فيدعو الله إلى تخليد إبليس في النار ليفتدي به البشر أي أن يدخل النار وحده و لا يدخلها أحد من الناس. و يصدر خاني عن محبة الخلق و الشفقة عليهم التي تمأسس عليها التصوف, فلا يرى فرقاً بين الناس بسبب معتقداتهم:

الخلق كله أولاً و آخراً, مؤمناً و كافراً

أصبح مظهراً لعظمتك و ربوبيتك.

و قال كما قالوا إن الوجود مسخر كله للإنسان و أنه مركز العالم و غايته. و ذهب إلى وحدة الوجود فخاطب الحق قائلاً:

لا يمكن أن تأخذ حيزاً من المكان و لكن تتوطن في مخلوقاتك.

الحلول في الموجودات كما قال تشوانغ تسه و عبارة خاني (التوطن) جديدة على الأدب الصوفي الذي يعالج وحدة الوجود. و يتجلى الله في وجوه الحسان نوراً و في قلوب العشاق ناراً. و جمال الله هو الذي زيَّن وجوه المحبوبات و جعل العشاق ينجذبون إليهن لأن فيهن تتمثل جاذبيته السماوية, فالله هو الذي ابتلى ?رويز بحب شيرين و قيس بحب ليلى و مم بحب زين. و صنف الفتيان العاشقين إلى مرايا جمال الذات و الفتيات المعشوقات إلى مظاهر أنوار الصفات. و استند إلى هذه الحيثية في إنكار الشذوذ الجنسي لأن الحب علاقة بين الذات و الصفات و لا يكون بن الذات و الذات أو بين الصفات و الصفات. و شَرَطَ الحب بالتروحن و ميز العاشق عن العابث فبعض المحبين يحبون عن مصلحة و هؤلاء ليسوا محبين و منهم من يسعى للوصال و هؤلاء محبو الجسد و منهم من يختار الآلام و العذاب الروحي الذي هو نعيمه الحقيقي و هذا هو الحب الصوفي و أصحابه هم العارفون.

و استنناداً إلى هذا التصنيف جعل حب مم و زين أخروياً لا دنيوياً. و في الملحمة عند هذا المسلك عنصر تعويض لاهوتي وقع فيه أحمد خاني الذي حافظ على صلته بالدين رغم تصوفه. فبعد أن روى المصائب التي انصبت على مم و زين من الحاكم الذي فرَّق بينهما و ألقى مم في السجن فتح لهما فصلاً جديداً في الآخرة فتزوجا و عاشا في نعيم الجنة. و جعل مكايد الشرير بكر مقصودة لإيصالهما إلى الآخرة بعد أن يتسامى بهما العشق فيرفعهما إلى السماء. و قدم أثناء ذلك تأويلاً دينياً لمقتل الشرير بكر على يد تاجدين صديق مم فجعله مثل قتل الولد في قصة موسى و الخضر. و المتصوفة لا يساوون بين الحالتين, فبكر شرير متآمر من أعوان الدولة و الولد بريء قتله الخضر لئلا يكون سبباً في إفساد والديه. و جريمة قتله غير مبررة في أي قانون سوى القانون الديني الذي يقيس حياة الإنسان بالصلاح و الإيمان.

و ابتعد خاني كثيراً عن خط التصوف الاجتماعي*** فتحدث براحة ضمير عن زين الأميرة الحسناء التي تخدمها مئتا جارية و تتولى تزيينها مئة جارية. و كان المطلوب أن يتحدث عن الفتاة الكردية الفقيرة التي لا تملك ما تستر به جسدها أو تسد جوعها. و كان هذا بتأثير التصوف الفارسي باهتياميته القريبة من جماليات القصور و البعيدة عن معاناة الجياع. على أنه لم يتجرد تماماً من عقيدة الفقر الصوفي فكتب ضد الميراث و اعتبر الوارث حاوياً لمال لم يتعب في جمعه و دعا أصحاب الأموال إلى إنفاقها في وجوه البر و عدم توريثها.

مهما يكن فأنا لا أريد من أحمد خاني أن يعود قروناً إلى الوراء ليتمثل الحلاج أو الكيلاني فقد نشأ في عصر الدروشة العثمانية و لما أراد التخلص منها لجأ إلى التصوف الفارسي فكان من جملة العشاق. و إنما تميز بوعيه القومي فحمل لواء الثورة على غاصبي بلاده و مستعبدي شعبه, فهو أبو الثورة الكردية كما هو أبو الثقافة الكردية و له دَيْنٌ في عنق الأكراد يزيد عن ديونهم التي يدفعونها يومياً لزعمائهم.

لم تحظ مم و زين بترجمة عربية متقنة و كاملة حتى ظهور هذه الترجمة التي أجراها المريد الكردي جان دوست نجل الشيخ ملا بشير الشيخ صالح, و تضمنت النشرة الجديدة مقدمة دراسية للمترجم و أرفقت بشروح وافية لغوامض معانيها و رموزها دلت على تمكنه من الثقافة الصوفية. و بهذا الظهور الناجح تكون الملحمة قد توفرت للقارىء العربي مستوفية شروط النقل الفني الصادق بما يجعلها نصاً عربياً مبيناً يقرأ كما يقرأ أي نص عربي أصيل. و القارىء العربي في حاجة لقراءة هذه الملحمة بعد أن قرأ الملاحم الأجنبية المترجمة عن لغات أوروبا, وهي أقرب إليه منها لأنها داخلة في ثقافته الإسلامية المشتركة كما في أدب المنطقة الحضارية الواحدة التي تضم الشعوب الثلاثة الكبرى: الفرس و الكرد و العرب. و سيقرأها العربي كما يقرأ ألف ليلة و ليلة و ملحمة جلجامش و ?لستان و الشاهنامة. و من حقها أن تأخذ مكانها مع هذه الروائع فما هي بأدنى منها مدىً و لا أصغر شأناً بل هي نوارة زاهية في خمائل أدبنا الحي تفغم الأنوف بالطيب و تملأ العيون بالضوء و القلوب بالمحبة و من حق أحمد خاني أن يعرفه القارئ العربي و يضعه في نفس الموقع الذي يتبوأه الجاحظ و أبو حيان و المعري و المتنبي.
دمشق الشام

أيار 1997

هادي العلوي




مقدمة الطبعة الأولى

عام 1989 حصلت على نسخة مصوّرة من كتاب الشاعر الكردي العظيم أحمدێ خاني
(مم و زين)، وكنت قبل ذلك قد قرأت مقاطع منه في جريدة(hawar ) التي كان يصدرها المرحوم جلادت بدرخان في الثلاثينيات من هذا القرن .
ولاأخفي أنني كنت أشعر برهبة حين القراءة كمؤمن يخاف أن يخطئ في قراءة كتابه المقدس .
ولقد عانيت في البداية صعوبة في فهم أبيات الديوان، ولم تكن الصعوبة بسبب كثرة المفردات الأجنبية فقط، بل كانت أيضاً بسبب التراكيب اللفظية ونسيج الجمل، فالنص مكتوب في أواخر القرن السابع عشر الميلادي، بقلم شاعر استوعب ثقافة عصره، وهو كأي نص تراثي يحتاج إلى شرح مستفيض حتى يتمكن القارئ المعاصر من فهمه ، وعلى الأقل يحتاج إلى شرح ما استعصى من المفردات الغريبة .
ولما كان الديوان يعج بالألفاظ الفارسية (التي استخدمها رواد الشعر الكردي دون تحفظ) ... فقد كانت نسبة فهمي للديوان لابأس بها كوني ألمُّ باللغة الفارسية إلماماً يُمكّنني من فهم النصوص الأدبية الكلاسيكية بالاستعانة بالمعاجم و القواميس .
من هذا المنطلق لمعت في رأسي فكرة شرح هذا الديوان . فبدأت شرحه باللغة الكردية ونشرت قسماً من شرحي في مجلة torevanالتي كانت تصدر في حلب في بداية الثمانينيات . إلا أنني رأيت فيما بعد أن الشرح باللغة الكردية يتطلب مجهوداً هائلاً هو فوق طاقتي، لضعف ذخيرتي اللغوية الكردية، إضافة إلى وجود كثير من المفردات العربية وخاصة المصطلحات الفلسفية والصوفية، والتي ليس لها مرادفات في الكردية أو لاأعرف مرادفاتها بالإضافة إلأى ضياع كثير من المعاني تحت وطأة الأبجدية اللاتينية التي كنت أكتب بها نص مم و زين . وهنا تطورت فكرة الشرح بالكردية إلى الشرح بالعربية، فبدأت العمل في الشرح عام 1992 وما إن أقبل ربيع 1994 حتى كان العمل يقارب الانتهاء .
خطة العمل :
كما قلت آنفاً الديوان نص تراثي ولابد لفهمه من الرجوع إلى ينابيع التراث، إذ لاتكفي القواميس والمعاجم وحدها، ولنأخذ مثالاً حياً على صدق هذا المدعى ، فأنا حينما تصديت لشرح هذا البيت :


نَشْئَا قَدَحا مَيَا مُرَوَّقْ

كَيْفَا عِنَبَا رَزێ بِه روْنَقْ

ظننت بادئ الأمر أن كلمة نشء مصحفة من (نسء) وقد كتبت في المسودة الأولية مايلي :
[ (نشء) ربما تكون محرفة من نسء بمعنى اللبن كثير الماء . كناية عن الخمر، يقول عروة بن الورد :
سقوني النسء ثم تَكَنَّفُوني
عداة الّله من كذب وزُورِ !! ]
لكنني مع ذلك شعرت بالتقصير وقلت في نفسي: أكلما عرضت لي كلمة لم أعرف معناها أقول: إنها مصحفة؟!.. وبعد التنقيب في دواوين شعراء الأكراد القدامى وجدت أن ما ذهبت إليه خطأ وأن (نشء) هو من كلمة (نشوة) بمعنى اللذة الناشئة عن تأثير الخمرة، ثم بمعناها الأعم أثر أي شيء ، يقول الجزري :
مِنْ دِدِلْ نَاصورَ كي دَاهسْتيانْ
لاجَرَمْ هيژْ نَشئْه يا دَاغا كُلَه
ويقول الصوفي الكردي الشهير مولانا خالد في قصيدة فارسية :
نَشْتَرِ فولاد يا مُژ?انِ خُونْخوارَاسْتِ اين ؟!
نَشئْه يى مَيْ يا نِ?ِاه ?َشْمِ بيماراْستِ اين ؟!
كما ظهرت لي في مقدمة الديوان عقبات كؤود، فالمقدمة الفلسفية صعبة، ولابد للشارح أن يكون ملماً على الأقل بالفلسفة الإسلامية خاصة منها المتأثرة بالفلسفة اليونانية، فالشاعر يتحدث عن نظرية الفيض الأفلوطينية وعن الجبرية وعن براءة الشيطان-إبليس- ويبرر عدم قيامه بالسجود لآدم بخلاف الملائكة... ويقحم في ثنايا الديوان معارفهُ الفلسفية والكلامية مما لايترك للباحث الجاد أي مجال للتراخي والكسل، فكان لابدَّ لي من الإطلاع على الكتب المهتمة بالفلسفة وعلم الكلام وحتى الفلك و الطب الكلاسيكيين والمنطق .
ولما لم أكن ذا باع طويل في هذا المجال فقد رأيت أنني لم أوف الأبيات المتعلقة بالفلسفة حقها من الشرح، وإني أعتذر لهذا التقصير ، فقد بذلت قصارى جهدي في أن يأتي العمل متكاملاً، ولكن لا يخلو أي عمل من النقصان و التقصير و عسى أن يستدرك اللاحقون ما لم نستطع فهمه.
وبما أن خاني متأثر كغيره من رواد الشعر الكردي بالأدب الفارسي، كان لابد لي من الخوض في غمار التراث الثقافي الفارسي، إذ لم يكن ممكناً فهم كثير من الأبيات دون الرجوع إلى نتاجات الشعراء الفرس وخاصة البارزين منهم كالشيرازيين (سعدي وحافظ) و (العطار) و (الفردوسي) وغيرهم .
وهاكم مثالاً على أهمية الرجوع إلى التراث الفارسي لفهم الديوان: في محاولةٍ لشرح هذا البيت:
خسرو نَبِوا سِوَارى شَبْديزْ
شيرين لـ (شَكَرْ) دِبُويَه ?رويز ؟
لم أوفق كما أرغب في الشرح ، وشعرت بركاكة الترجمة، ولكن حينما طالعت الترجمة العربية لـ (شيرين وخسرو) للأمير خسرو الدهلوي، فهمت البيت كما ينبغي أن يُفهم، وعرفت أن (شكر) ليس بمعناها الحرفي سكر ، كما لاح لي لأول وهلة، بل شكر محبوبة أخرى للملك خسرو تزوجها بمشورة الحكيم شا?ور، نديمه الخاص لكي ينسى حب شيرين.
والذين تصدوا للشرح والترجمة من قبلي لم يهتموا بهذا الأمر، بل إن جهل بعضهم بالثقافة الفارسية جعلهم يفسرون بعض الكلمات تفسيراً غريباً، فها هو الأستاذ محمد أمين بوز أرسلان يفهم من كلمة (بيژن) على أنها بمعنى (غربال) في حال إن (بيژن ) اسم عاشق (منيژه) ابنة أفراسياب الذي سجن بيژن في بئر وقام البطل الأسطوري(رستم زال) بإنقاذ العاشق ومحبوبته من ظلم أفراسياب، والحكاية مشهورة في ملحمة الفردوسي الكبرى( شاهنامه). بالإضافة إلى ذلك فقد عقدت في كثير من النواحي مقارنات بين أبيات(خاني) وأبيات من سبقه من الشعراء الفرس والأكراد وتتبعت مدى تأثر خاني بما طالعه من الأدب الفارسي، وهذا لايضير شاعرنا العظيم بل يدل على سعة معرفته وشمولية ثقافته وتشربه بثقافة عصره.
إنني لم أشر أثناء شرح المفردات إلى أصل المفردة إلا فيما ندر،لأن ذلك يتطلب بحثاً منفصلاً وقاموساً خاصاً بالمفردات الأجنبية التي يزخر بها الديوان و كان من العسير أن أقول إن هذه المفردة عربية أو تركية أو فارسية و لا يجد القارئ اللبيب صعوبة كبيرة في تمييز الغريب من المفردات .
كما أن الرجوع إلى القرآن الكريم وكتب الحديث النبوي وسؤال أهل الذكر كان أمراً لابد منه لفهم كثير من الأبيات، فالشاعر استمد كثيراً من الرموز والإشارات القرآنية والأحاديث النبوية ليطعّم بها ديوانه القيِّم ويضفي عليه نكهة الروحانية التي يتطلبها عمله الرائع الذي يعكس لنا بعبقرية فذة ، نفسية خاني القلقة الحائرة .
يلتقي خاني في هذا المجال مع الشعراء الفرس الذين أثروا نتاجهم الإبداعي بصور قرآنية وتراثية إسلامية (معجزات الرسول، معارك الإسلام، قصص الأنبياء، مقتل الحسين. مقتل الحلاج.إلخ..).
ولما كانت ثقافتي في الأصل إسلامية فإنني لم أعان كثيراً من فك رموز خاني الدينية وإشاراته،وكانت مكتبة والدي الإسلامية منبعاً نهلت منه الكثير .
كما أنني راجعت الكتب الموسيقية أيضاً، وسألت المهتمين بعلم الموسيقا حتى أتمكن من شرح بعض المفردات التي لها علاقة بالموسيقا، ومن بيان المقامات الموسيقية وفروعها التي تعرض للحديث عنها شاعرنا العظيم في ديوانه أكثر من مرة .
إشكالية كتابة النص :
اقترح علي بعض أصدقائي كتابة متن الديوان بالأحرف اللاتينية كما فعل الأستاذ
بوز أرسلان،إلا أنني رفضت هذا الاقتراح لأن المتن مكتوب في الأصل بالأحرف العربية،كما أنه مليء بالمفردات العربية ذات الأحرف التي لاتوجد لها نظائر في اللغة الكردية مثل
( ع- ح- ط- ض- ص...إلخ) ولو كتبت هذه الأحرف باللاتينية فإن أغلب المعاني ستضيع, وسيضيع القارئ في متاهة هو بغنى عنها .
فكان لابد لي من إبقاء النص كما هو، أو اختراع أحرف جديدة، ولايخفى ما في الاحتمال الأخير من مشقة وخطورة و تعسف .
كما أنني لم أكتب المتن حسب الإملاء (السوراني) المعمول به في كردستان الشرقية و الجنوبية،لأن الكلمة حينذاك تتشتت ولايبقى منها سوى أشلائها، خاصة الكلمة العربية مع أن الكتابة بتلك الطريقة تحافظ على لفظ الكلمة بدقة تامة، إلا أنني استعضت عن ذلك بكتابة الحركات على الأحرف .
لقد بذلت جهداً في هذا الشرح وأرجو أن يكون أساساً لبناء جهود أكثر غنى، وماغايتي من هذا العمل المتواضع إلا خدمة أمتي ولغتي والبحث عن مكان لائق بالشاعر العظيم أحمدي خاني في المكتبة العربية والعالمية بشكل عام .
إضاءة أخيرة :
بالرغم من شح المصادر والمراجع التي اعتمدتها، فقد استفدت من بعضها استفادة جمّة، منها مثلاً كتاب الدكتور عز الدين مصطفى رسول(أحمدي خاني- شاعراً ومفكراً،فيلسوفاً ومتصوفاً) وكتاب الأستاذ رشيد فندى( مناقشات حول الشاعر الكردي أحمدي خاني) وهو كتاب نقدي قيم يرد فيه الأستاذ رشيد على بعض آراء الدكتور عز الدين التي رآه فيها قد جانب الصواب .
كما أنني استفدت من شرح الأستاذ أمين عثمان للديوان باللغة الكردية- اللهجة الكرمانجية الشمالية- وللحقيقة أقول: إن كتابه جهد مشكور وكان مرجعاً هاماً،إلا أنني للأسف لم أحصل عليه إلا بعد أن شرحت حوالي ألف وستمائة بيت من الديوان .
كما استفدت من شرح الأستاذ ?رويز جيهاني للديوان بالكرمانجية الشمالية، إلا أن شرحه أيضاً وصلني متأخراً أما ترجمة الأستاذ محمد أمين بوز أرسلان فقد أفادتني ولكن بنسبة أقل .
للأسف الشديد لم أحصل على شرح الشاعر الكردي(هه ژار) ..بل سمعت به.*
وأظن أنه كان سيفيدني كثيراً.أما النسخة الأساسية التي اعتمدتها فهي النسخة التي طُبعت في حلب - مطبعة آراس عام 1947 التي نشرها على نفقته بشير الشيخ حسن الهاشمي وقدّم لها المثقف الكردي حمزة مكسي .
* كان هذا في الطبعة الأولى. ثم حصلت على ذلك الكتاب القيم في باريس أثناء زيارتي للمعهد الكردي هناك فاستفدت منه في هذه الطبعة.




وقد قابلتها مع النسخة المحققة من قبل الباحثة م.رودينكو التي نشرت في موسكو عام 1962 مع مقدمة كتبها البروفسور قاناتى كردو .
كما قمت بتحقيق بعض الأبيات وكتبتها كما يجب أن تُكتب باجتهادي الخاص و الذي أرجو أن أثاب عليه أو يدلني المطلعون على ضعف اجتهادي بل ربما مجانبته الصواب . وقد كان بودي أن أجمع كثيراً من النسخ المتفرقة لكن الواقع غير الأمنية .
إن هذا العمل الذي بين أيديكم هو ثمرة ليال طويلة من السهاد و أيام مديدة من البحث بسعادة غامرة عن غايات الشاعر و مقاصده و محاولة فك ألغازه و إخراج هذا الأثر الخالد إخراجاً يليق به فرجائي أن ينال قبولكم و هو منتهى الأمل عندي.
جان دوست / حلب 1/1/1994
المعاجم المعتمدة في هذا الشرح
أ- المعاجم الكردية :
1- الهدية الحميدية في اللغة الكردية / كردي - عربي
ضياء الدين باشا الخالدي، تحقيق د. محمد مكري
بيروت 1987 ط2 مكتبة لبنان .
2- القاموس الكردي الحديث / كردي - عربي
تأليف علي سيدو ?وراني عمّان 1985 .
3- هه نبانه بورينه فرهن? كردي/ فارسي. هه ژار
اتشارات سروش ?ا? دوم 1376 هـ . ش .تهران .
ب- المعاجم الفارسية :
1- قاموس الفارسية. فارسي /عربي تأليف د. عبد النعيم محمد حسين ط1 بيروت 1972 دار الكتاب اللبناني .
2- المعجم الذهبي فارسي / عربي تأليف د. محمد التونجي
منشورات المستشارية الثقافية الإيرانية - دمشق 1993 .
3- معجم الألفاظ الفارسية المعربة - تأليف أدى شير - بيروت 1980 .
4- واژه ياب. أبو القاسم ?رتو . انتشارات اساطير_ طهران ط2 1377 . ش.
5- فرهن? فارسي. د. محمد معين مؤسسهء ?ا? و انتشارات أمير كبير. تهران 1342 هـ.ش
ج- المعاجم العربية :
1- المنجد في اللغة والأعلام .
2-معجم المصطلحات الصوفية د. أنور أبي خزام ط1 1993 .
3-لسان العرب ، ابن منظور .
4-اصطلاحات الصوفية - عبد الرزاق الكاشي ، دمشق 1995 .
5- معجم البلدان - ياقوت الحموي .
6- الكليات - أبو البقاء الكفوي - ط2، دمشق 1982 .
7-معجم مصطلحات الصوفية د. عبد المنعم الحفني - دار المسيرة ، بيروت-ط1 1980.
8- المعرب من الكلام الأعجمي. الجواليقي. تحقيق د. ف. عبد الرحيم. دار القلم دمشق 1990 ط1.
9- كتاب التعريفات. علي بن محمد الشريف الجرجاني. مكتبة لبنان. 1969 بيروت.
د- المعاجم التركية :
1- معجم الصفصافي تركي / عربي
تأليف : د. صفصافي أحمد المرسي ، إسطنبول 1983


توقيع  مصطف عبدي

 

" كن صامتاً أغلب الأحيان، ولا تقل إلا ما هو ضروري، وبقليل من الكلمات، وفيما ندر إن توفرت لك فرصة الكلام، تكلم ... لكن لا تقل أول شيء يأتي بخاطرك"
    رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [ 8  ]
قديم 2011-03-30, 02:43 PM مصطف عبدي غير متواجد حالياً
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي


مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي
افتراضي رد: الدُّرُّ الثَمِين في شرح مَمْ و زين(حصريا من الكاتب على منتديات كوباني)


المقدمة



1-
سَرْ نامَه ئى نامَه نامِ الّله

بى نامِ وِي نَاتَمَامَه والّله (1)
2-
أَيْ مَطْلَعِ حُسْنِ عِشْقِبازِي

مَحْبُوبى حقيقي ومَجَازي (2)
3-
نامِ تَه يه لَوْحِ نامَه يا عِشْقْ

إسْمِ تَه يَه نَقْشِ خَامَه يَا عِشْقْ (3)
4-
بى نقشِ ته نقشِ خَامَه خامه

بى نامِ ته نامَه ناتمامه (4)
5-
نامِ ته يه شاهِ بَيْتِ مَقْصُودْ

فَهْرَسْتِ مُكَاتَبَاتِ محمود (5)
6-
مضْمُونِ مُراسَلاَتِ لارَيْبْ

مَشْهُودِ مُكَاشَفَاتِ بِالغَيْبْ (6)



معاني المفردات:



1-(سرنامه) الديباجة،مقدمة الكتاب (نامه) كتاب, رسالة (نام وي) اسمه و الضمير عائد إلى الله, و في نسخة رودينكو نام ته أي اسمك (ناتمام) ناقص، غير تام.

2-(أي) أداة نداء (عشقبازي) الغزل،العشق .

3-(خامه) قلم .

4-(خامه) الأولى بمعنى قلم والثانية بمعنى فج،غير ناضج .

5-(شاه بيت) بيت القصيد و هو البيت الأكثر كمالاً في القصيدة و غاية القصيدة (فهرست) مضمون، محتوى, الجدول الشامل لأبواب و فصول أي كتاب .

6-(لاريب) إشارة إلى القرآن الكريم.أو بمعنى بدون شك (مراسلات) الرسالات السماوية .

الترجمة :

-بسم الّله أقدم لهذا الكتاب،فبدون اسمه لن يكتمل والّله .

-يامطلع جمال العشق،أيها المحبوب الحقيقي والمجازي .

-إسمك هو اللوح (الذي دُوّن) فيه كتاب العشق،وهو النقش(الذي خطه)قلم العشق .

-بدون إسمك (نقشك) لاقيمة لما تخطه الأقلام،وبدونه يبقى الكتاب ناقصاً .

-إسمك هو بيت القصيد الذي يُسعى إليه،وهو مضمون المكاتبات الحميدة .

-إسمك هو مضمون آيات القرآن،وهو مشهود في مكاشفات الغيب .


7-
مَحْبُوبِ قُلُوبِ مَنْ لَهُ القلبْ

قَلْبَانْ تو دِكِي بِه بالْ خوه ڤه جَلْبْ (1)
8-
معشوقِ توي بِه فَخْر ونازِي

عاشقْ تِوِي ليكِ بى نِيَازِي (2)
9-
مُطْلَقْ تو مُفِيد ومُسْتَفَادِي

بى شُبْهَه مُريد وهَمْ مُرَادي (3)
10-
نُوري تو دِ حُسْنِ رُويى دِلْدَارْ

نارِي تو دِ قَلبِ عاشقى زار (4)
11-
شَمْعِي نَه ژ قسمِ نور وناري

شمسي ژ عَيَانْ تو ?َرْده داري (5)
12-
?نْجِي تو د نيڤْ طِلِسْمِ عَالَمْ

كنزِي تو عَيَانْ بِه إسْمِ آَدَمْ (6)



-معاني المفردات:

1-(من له القلب) من له وعي وبصيرة (قلبان) جمع كردي لكلمة قلب (ببال خوه ڤه) إلى ذاتك،صوبكو لعندك(جلب) جذب .

2-(ناز) فخر،تيه،دلال (ليك) لكن (بى نياز) من لايحتاج إلى أحد .

3-(مريد) الّله الذي يخلق ما يريد (هم) أيضاً (مراد) غاية .

4-(دلدار) المحبوبة (زار) الضعيف،البائس .

5-(?رده دار) محتجب، مختفٍ .

6-( ?نج ) كنز (دنيڤ) في وسط (طلسم) لغز، الشيء العصي على الفهم .

الترجمة :

- أنت محبوب قلوب ذوي البصائر،تستميل القلوب وتجذبها إلى ذاتك .

- أنت المعشوق يحق لك الفخر والتيه،وأنت العاشق لكن دون حاجة إلى معشوق .

- أنت المريد الذي استفادت منه الخلائق وجودها وكينونتها،وأنت الذي خلقت ما أردت، وأنت غاية ومراد هذا الوجود .

- أنت نور تتجلى في وجوه الفاتنات،ونار تضطرم في قلوب العشاق البائسين .

- أنت شمع ولكنك لست محسوساً،أنت شمس محتجبة عن الأنظار.

- أنت كنز في طلسم العالم،أنت كنز ظهرت للعيان بإسم آدم .

تعليق :

ابتدأ خاني ديوانه باسم الّله،ومرد ذلك إلى حديث نبوي يقول: ((كل أمر ذي بال لايُبدأ فيه

بسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر )) .

وكان هذا عادةً درج عليها الكتاب عرباً وعجماً يقول النظامي :
أي نام تو بهترين سر آغاز


أي: أيها الذي اسمك أفضل ما يُبدأ به, بدون اسمك متى يمكنني بدأ الكتاب؟
بى نام تو نامه كى كنم باز؟




و قد استهل الفردوسي الشاهنامة بهذا البيت:

بنام خداوند جان وخرد كزين برتر انديشه برن?ذرد

كما أن الأبيات التالية تذكرنا بفلسفة ابن سينا في العشق، حيث اعتبر أن الّله غرز العشق في الكائنات كلها، فالّله معشوق دائماً لكماله وجماله، وما سوى الّله عاشق أبداً لوجود النقص فيه، وإذا كان خاني قد جعل الّله عاشقاً، فهو عاشق لذاته فقط،ولاحاجة به إلى أن يعشق غيره، إذ لاموجود أكمل منه وأجمل .

كما أننا نتلَّمسُ آثار حديث قدسي هو( كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأُعْرَف) عندما يجعل خاني الّلهَ (مريداً) للخلق وعلة للوجود وفي نفس الوقت يعتبره غاية الوجود (مراداً) .

ونتبين أيضاً آثار فلسفة وحدة الوجود-الأبيات (12-10) فالّله هو نور الجمال المتجلي في وجوه الفاتنات، وهو أيضاً نار العشق المشتعلة في قلوب العشاق، وهنا يشترك خاني مع شاعرنا الصوفي الجزري في نظرته إلى العشق، حيث اعتبر الجزري أن الحب والجمال كانا في الأزل ذاتاً واحدة متحدة، اقتضت المشيئة الإلهية انفصال هذه الذات فانقلب الجمال نوراً في وجه كل فاتنة حسناء، وتحول الحب ناراً في قلوب الوالهين بالجمال، يقول الجزري :
حُسْن وحُبْ ذاتِ قَدِ يْمِن لى جُدا بُون أَوْ ژ ِييك
لى نِها إِسْمِ حُدوثى، حِكْمَت وتَفْصيل وَهْ بُو
يَكْ دِ ذاتِ سُرْ شِرينان بُو جَمَال وحُسْن وسُرْ
يك دِ قلبِ أَهْلِ دلْ نار وجَلاَل وجَذْبَه بُو

والمعنى : (الحب والجمال كانا ذاتاً (واحدة) منذ القدم ،لكنهما انفصلا بحكمة . إذ طرأ عليهما إسم الحدوث. صار أحدهما جمالاً وجاذبية في ذات الفاتنات، وصار الآخر ناراً وجذبة وجلالاً في قلوب العشاق ) .

كما يقترب خاني من الجزري في البيت (11) حينما يؤكد حقيقة الذات الإلهية وأنها تتجلى في الموجودات طرّاً .

يقول الجزري :
آَفِتَابى أَحَدِ يَّتْ بِخَوه داَ?ِرْتِيَه كَوْنْ
نَه كو عَوْرَكْ هَيَه، لى ?ِرْتيِه ?َهْقين مَه رَمَدْ

(إن شمس الأحدية قد ملأت الكون بأنوارها وإذا لم نكن نراها فليس لوجود سحب تحجبها، بل لرمد في أعيننا) .

ولقد رأى كثير من المتصوفة أن عبادة الذات الإلهية تكون كيفما شاء العبد، ولاضرورة للالتزام بطقوس معينة، حيث أن الّله يتجلى في كل مخلوقاته، ومن هنا جاء تأكيد البعض على أن تعبد الوثنيين ما هو إلا صورة من صور عبادة الخالق، يقول الشاعر الفارسي أبو سعيد الميهني(1049-967م) .


رفتم بكليساى ترسا و يهود
ديدم همه باياد تو در ?فت وشنود
باياد وصال تو به ?تخانه شدم
تسبيح ?تان زمزمه ذكر تو بود

والمعنى : (ذهبت إلى معابد اليهود والنصارى،فرأيت الجميع يلهجون بذكرك. ولأجل وصالك ذهبت إلى بيت الأوثان، فكان تسبيحها ذكرك ) .

ويقول حافظ الشيرازي :
غرض ز مسجد وميخانه أم وصال شماست
جز اين خيال ندارم خدا ?واه من است

والمعنى : (وصالك هو هدفي من (زيارة) المسجد والخمارة والّله يشهد لي أَلاَّ فكر لي غير ذلك) .

ويقول محي الدين بن عربي الصوفي الشهير :
لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ

فديرٌ لرهبانٍ ومأوى لغزلانِ
أدين بدين الحب أنَّى توجهت
و يقول أيضاً:
عقد الخلائق في الإله عقائداً
و أنا اعتقدت جميع ما عقدوه

ركائبه فالحب ديني وإيماني





13-
أَڤْ عالَم وآدمِي ومَشْهُودْ

أَڤْ مُمْكِن وما سِوايِ مَوْجُودْ (1)
14-
هًمْيَانْ بِه تَيه مَدَارَه ودَبْرْ

فَيَّاضِ رياضِ خَلْقِ والأمْرْ (2)
15-
أَمْرى تَه بِه لَفْظِ كُنْ دو عالَم

موجودِ كرِنْ غَرَضْ ?ه ؟ آدم (3)
16-
آدم به خوه يَكْ ژِهَرْدُو اَنه

يك حرفِ ژ أَمْرِ كُنْ فَكَانه (4)
17-
أو حرفِ حقيقَتَا مُحَقَّقْ

هَمْ أمره بِه قُدرَتَا تَه هَمْ خَلْق (5)
18-
أشباحِ مُرَسَّمِنْ بِه نَاسُوت

أرواحِ مُوَسَّمِنْ به لاهوت (6)



معاني المفردات:

1-(مشهود) الظاهر من الخلق (ممكن) اصطلاح فلسفي إسلامي للدلالة على كل موجود سوى الّله فالوجود نوعان : وجود أزلي وهو واجب الوجود أي الّله، ووجود محدث وهو ممكن الوجود،أي الذي ليس لوجوده ضرورة ويندرج تحت هذا الإسم كل ماخلقه الّله .

2-(هميان) الجميع (فياض) صفة لله من الفيض أي هو الذي جعل الخلائق تفيض (رياض خلق) رياض عالم الخلق، فالعالم أيضاً قسمان عالم الخلق وهو العالم الطبيعي المحسوس وعالم الأمر وهو العالم الإلهي الغيبي.

3-(لفظ كن) لفظة كن وهي الأمر الإلهي في الإبداع والخلق،وفي القرآن (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) يس الآية (82) (دو عالم) عالمان، عالم الغيب والشهادة (غرض ?ه) ماهو الهدف (آدم) جواب للسؤال وآدم هو أبو البشر و خليفة الله في ارضه بنص القرآن.

4-(ژ هردوانه) من الإثنين، أي آدم عالم من العالمين .

5-( هم أمره) تابع لعالم الأمر لحيازته الروح (هم خلق) وفيه من عالم الخلق الجسماني أيضاً. أي أن الانسان مركب من روح وجسد. و في سورة الأعراف (ألا له الخلق والأمر) الآية 53 .

6-(أشباح) الأجساد (مرسَّمن بناسوت) عليها رسم الناسوتية (موسَّمن بلاهوت) فيها من علامات اللاهوتية .

الترجمة :

- هذا العالم وهؤلاء البشر. والخلق الظاهر،وما سوى ذلك من الموجودات .

- كلها تحتاج إليك في تدبير أمورها ،يا خالق رياض عالمي المحسوسات والغيبانيات .

- أمرك الذي صدر بلفظ (كن) أوجد عالمين. (عالم الغيب والشهادة) وما الغاية من ذلك؟ إنه آدم .

- إن آدم بذاته هو أحد العالمين،إنه حرف من لفظة (كن فكان) .

- إنه حرف الحقيقة المحققة، فهو مزيج من عالمي الخلق والأمر(لأن فيه روحانية الألوهية ولَطَافَتُها وفيه من ظلمة المادية وكثافتها) .

- فالأجساد عليها رسم الناسوتية (تفنى) والأرواح موسمة بسِمة اللاهوتية (فهي خالدة أبداً) .

تعليق :

نلاحظ في الأبيات السابقة أن الشاعر مؤمن بقيمة الإنسان ككائن عاقل عليه أن يسود الأرض،فهو المخلوق الذي خلقت من أجله الأكوان لأنه مخلوق عاقل والعقل فاض عن الأول الذي هو الّله حسب نظرية الفيض عند أفلوطين والفارابي. والإنسان بعقله سيتعرف على الخالق وعندها ستتحقق الغاية الإلهية من خلق الإنسان في التعريف بنفسه والخروج من مكمن الألوهية إلى التجلي في الموجودات، كما تؤكد الأبيات السابقة مبدأ الثنائية أو اختلاطية الشر و الخير في الذات البشرية، فالإنسان ليس روحاً صرفاً، ولاكتلة من المادة، بل هو مزيج من المادة والروح, فيه من نور الألوهية ومن كثافة المادة. و لكن هذه الثنائية لا تعني الثنوية أو الإيمان الزرادشتي بإلهين هما أهورا مزدا و أهريمان, بل نابع من صلب العقيدة الإسلامية.

إن الجسم الإنساني بما فيه من أعضاء وحواس نشأ من عالم مادي بحت (ناسوت) أما الروح فهي من ذات الإله النقية الصافية. وباتحاد الروح والجسد نشأ الإنسان.

و ينبه خاني إلى أن الخلق تم وفق المشيئة الإلهية بلفظ كُنْ التي هي كلمة الحضرة باصطلاح الصوفية.وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن حرف الكاف في كُنْ يؤول بالكون, و حرف النون بالإنسان, و على هذا فإن آدم(ممثِّلاً الإنسان) هو أحد هذين الحرفين كما يقول خاني.

و يتحدث خاني عن عالمي الخلق و الأمر, أما عالم الخلق فهو كما ورد في معجم المصطلحات الصوفية: العالم الموجود بالمادة و المدة مثل الأفلاك و العناصر و المواليد الثلاثة,يعني الجمادات و النباتات و الحيوانات التي يسمونها عالم الشهادة و عالم المُلْك و عالم الخلق. أما عالم الأمر فهو يطلق على عالم وُجِدَ بلا مادة و مدة, مثل العقول و النفوس و يسمى هذا العالم عالم الملكوت و عالم الغيب. و يُعرِّج خاني أخيراً على الحديث عن اللاهوت و الناسوت و هما مصطلحان أفاض في ذكرهما الصوفية فقال الحلاج:

سُبْحانَ من أظهر ناسُوتَه سرُّ سَنا لاهوتِه الثاقبِ

و الناسوت هي محل اللاهوت و تطلق على عالم الشهادة أو الدنيا, أما اللاهوت فهو الخالق و يطلق على الروح و العالم العلوي أيضاً.


19-
أَڤْ روح وجَسَدْ بِه جْبر وإِكْراه

تَزْويجِ بِوِينْ بِه أَمْرِ الّله (1)
20-
ناسُوتى أَ?رْ ?ه رَنْ? سَفَاله

لاهُوتي ژ ?َرْتَوَا جَمَالَه (2)
21-
حرفا كومه ?وتي نقشِ هُورَه

لى مَقْصَد ومَعْنَيَا وێ كُوره (3)
22-
ظاهرْ ته أَ?رْ نُمَايَه صُغْرَا

باطنْ أَوَه نقشِ خامه كُبْرَا (4)
23-
موجوده د وێ شهادت وغَيْبْ

مشهودَه د وێ سِيادَت وعَيْبْ
24-
إِنسانْ بِه خوه هَمْ ظَلاَمَه هَمْ نُورْ

آدم ژ ته هَمْ قَرِيبَه هم دُور
25-
هِنْدِي وَه كو جنسِ عَالَمِينه

أو تَابِعِ نوعِ آدميِنَه (5)



معاني المفردات:

1- (جبر) إكراه وإلزام .

2- (سفاله) حقير، وضيع. كل ما صنع من الطين (?رتو) شعلة .

3-(هور) دقيق, صغير (كور) عميق .

4-(نمايه) لاح وبان .

5- (هندي) بذلك القدر .

الترجمة :

- هذه الروح وهذا الجسد، تزوجا جبراً وإكراهاً بأمر الّله .

- إن كانت ناسوتية البشر من منشأ وضيع، إلا أن لاهوتيتهم من شعلة الجمال .

- إن الحرف الذي تحدثنا عنه (الإنسان) نقش صغير، إلا أن معناه عميق.( الحروف هي الحقائق البسيطة من الأعيان ..انظر اصطلاحات الصوفية كمال الدين القاشاني (الكاشي) ..ط1 دمشق 1995...منشورات الحكمة).



- و هو و إن كان في ظاهره صغيراً، فإنه في الباطن (الحقيقة) نقش القلم الأكبر .

- ففيه موجود عالما الشهادة والغيب، وفيه مشهود الكمال والنقص .

- الإنسان ظلام (مادة) ونور (روح)، وآدم قريب منك (بروحه) بعيد (بجسده) .

- كل ما خلق الّله من عوالم، تابع (مُسخَّّر) للنوع الآدمي .

تعليق :

يبين خاني أن اتحاد الروح كان بالجبر والإكراه، وقد جاء في الأثر أن الّله حين أمر الروح أن يدخل جسد آدم وهو مايزال فخاراً دون روح، هاب الروح وجزع فقال له الّله : أدخل كرهاً واخرج كرهاً .

وهذه الفكرة موجودة عند ابن سينا، في قصيدته الشهيرة عن النفس إذ يقول في أحد أبياتها:
(وَصَلَتْ على كُرهٍ إليك و ربما


كَرِهَتْ فراقَك وهي ذاتُ تفَجُّعِ)

ويؤكد خاني أن الطبيعة المادية في الإنسان قد استحقت التكريم والتشريف بنفخ الروح، فآدم لم يكن إلا كتلة من الطين، نفخ فيها الّله روحه وأشعل فيه شعلة الجمال فاستحق آدم سجود الملائكة وفي القرآن { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } الحجر: 29

فآدم استحق السجود بعد نفخ الروح لاقبله .

ثم يبين خاني أن الإنسان خلق صغير، ونقش دقيق في دفتر الكون إلا أن الغاية من خلقه عظيمة.‍ يقول الشاعر :
أتحسب أنك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر ؟‍‍‍‍‍?!

فالإنسان عند خاني كتاب دفته الأولى ظلام والثانية نور، وهو يقترب من الّله بروحانيته، ولكنه في نفس الوقت بعيد لاستيلاء الطبيعة المادية عليه .فالإنسان عند خاني إذاً مزيج متناقض فيه نقصٌ و كمالٌ, و خِسَّةٌ و شرف. روحانية و جسمانية, لاهوت و ناسوت. إن الإنسان حرف صغير و نقش دقيق لكنه ذو شأنٍ عظيم لأنه من تسطير القلم الإلهي في دفتر الكون. و يقول ابن عربي مبيناً عظمة الإنسان: إن الله خلق الإنسان بيديه. و يرمز باليدين إلى صفتي الجلال و الجمال, ففي حين تختص صفة الجمال بإيجاد كل ما هو شريف, تختص صفة الجلال بإيجاد كل ما هو خسيس, و يعتقد ابن عربي أن سائر الموجودات باستثناء الإنسان قد خلقت بيد واحدة, أي أن الموجودات تنقسم إلى موجودات خَيِّرة لا تعرف المعصية أبداً و هي التي خلقها الله بيد الجمال, و موجودات شريرة خلقها الله بيد الجلال, وحده الإنسان توجهت على خلقه صفتا الجلال و الجمال معاً, و بالتالي جاء عبارة عما يسميه ابن عربي (القبضة الجامعة) لجانبي الطاعة و المعصية.انظر : ابن عربي و روح القدس_ د. حامد طاهر. دار الوثبة. دمشق ط1؟؟

إن كل ما في الكون من عوالم تابع وخادم للنوع الآدمي، وستلقي الأبيات التالية مزيداً من الضوء على هذه الفكرة التي هي فكرة قرآنية في الأصل كما تدل على ذلك الآيات التالية :

{خَلَقَ لَكُمْ مَا في الأرضِ جَميِعَاً} البقرة : 29{وَسَخَّرَ لَكُمْ ال‍شَّمْسَ وَ الْقَمَرَ} إبراهيم : 33

{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا في السَّمواتِ ومَا في الأرض} الجاثية : 3.


26-
أَڤْ رنْ?ه فَلَكَ هَمِي مُعَظَّمْ

أَڤْ ?َنْدَه مَلَكْ هَمِي مُكَرَّمْ
27-
أَڤْ كارِ ?هَا عظيم ودَوَّار

أَڤْ بار?هَا بديع وسَيَّار (1)
28-
أَڤْ ?نْده زَمِينْ دِ ?لْ عَنَاصِرْ

أَڤْ رَنْ?ه عَرَضْ دِ ?ل جَوَاهِرْ (2)
29-
أَڤْ ?َنْدَهَه نِعْمَت ونَفَائِسْ

أَڤْ رَنْ?هَه مَأْكل ومَلاَبِسْ
30-
أَڤْ ?نْدَهَه مُدَّعَا ومطلوب

أَڤْ رَنْ?هَه مُشْتَها ومحبوب
31-
حيوان ومعادن ونباتات

مطلوب ومقاصد ومُرادات
32-
بالجملهْ ژ بو مَراَ لِه كَارِن

في الجملهْ ژبو مه بُرْ دِبَارِن



معاني المفردات:

1-(كار?ه) الكون وربما يقصد الشمس (بار?ه) البلاط الملكي وربما يقصد القمر .

2-( زمين) أرض (د ?ل) مع (عرض) ما كان قائماً في جوهره،وليس جوهراً(جواهر) جمع جوهر وهو ما يقوم بذاته (مثال: الوردة جوهر ولونها عرض) .

3-(ژ بو مرا لكارن) تعمل من أجلنا (بردبار) المنقاد، المسخر .



الترجمة :

- هذه الأفلاك العظيمة، وهؤلاء الملائكة المكرمون .

- هذه الشمس العظيمة الدائرة، وهذا القمر البديع السيار .

- هذه الأرض بما عليها من عناصر ، وهذه الأعراض والجواهر .

- هذه النعم الكثيرة والنفائس، المأكل والملابس .

- هذه المشتهيات وما تحبه الأنفس وتدعو إليه .

- الحيوان والمعادن والنبات والمقاصد والغايات .

- كلها في جملتها تعمل من أجلنا ومسخرة لنا .

تعليق:

يبين خاني في الأبيات السالفة قيمة الإنسان من حيث كونه يمثل الوجود السامي الغائي و الذي انصب فيه اهتمام الخالق, فهو خليفة الله في الأرض, خلقه بيديه و أمر الملائكة بالسجود له( فَإِذا سَوَّيْتُهُ و َ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدين) و لم يكن ذلك السجود سجود عبادة بل سجودَ خضوع و تسخير كما يقول المفسرون, ثم لعن الله إبليسَ و طرده من الجنة لامتناعه عن السجود لآدم


33-
حَقّا كوته خوشْ نظام و رَوْنَقْ

ترتيبِ كِرِنْ ژ بو مَه الحق (1)
34-
أم غافل وعاطل و?ُنَهْ كار

ما يِينه دِ قَيْدِ نَفْسِ أَمَّار (2)
35-
نيننْ مه دِ قلبِ فِكْرِ وذِكْرِكْ

ناكِنْ بِزَبانِ حمد وشُكْرَكْ (3)
36-
(خاني) ?و نَهِنْ به قلبِ ذاكر

بارِي بِدَهْ وِي زَبَانِ شاكر (4)



معاني المفردات:

1- (حقا) الحق من أسماء الّله الحسنى والألف للنداء حسب القاعدة الفارسية و في القرآن الكريم( إن الله هو الحق المبين ) النور:25 (رونق) جمال، بهاء .

2-(?نه كار ) مذنب ومسيء(مايينه) بقينا (نفس أمار) النفس الأمارة بالسوء (في القرآن الكريم سورة يوسف الآية 53 : إن النفس لأمارة بالسوء).

3-(بزبان) باللسان .

4-(نهن) ليس (باري) من أسماء الّله ومعنى (البارئ) هو الموجد من العدم على غير مثال (بده وي) أعطه .

الترجمة :

- أيها الإله الحق الذي أبدعت من أجلنا هذا الكون ورتبته في نظام .

- إننا غافلون عن ذكرك، نذنب ونسيء، مقيدون بقيود أنفسنا الأمَّارة (بالسوء) .

- ليس في قلوبنا ذكرك ، ولاتلهج ألسنتنا بحمدك وشكرك .
- فيا رب امنح خاني - مادام ليس ذا قلبٍ ذاكر- لساناً يشكرك به


توقيع  مصطف عبدي

 

" كن صامتاً أغلب الأحيان، ولا تقل إلا ما هو ضروري، وبقليل من الكلمات، وفيما ندر إن توفرت لك فرصة الكلام، تكلم ... لكن لا تقل أول شيء يأتي بخاطرك"
    رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [ 9  ]
قديم 2011-03-31, 05:58 PM مصطف عبدي غير متواجد حالياً
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي


مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي
افتراضي رد: الدُّرُّ الثَمِين في شرح مَمْ و زين(حصريا من الكاتب على منتديات كوباني)
فلسفة العشق
37-
أَيْ شُكرِ تَه جَوْهَرَا زَبَاني

وَيْ ذِكْرِ ته صَيْقَلاَ جَنَاني (1)
38-
أي واحِدێ بى شريكِ يَكْتا

وَيْ واجدێ بى نظير وهَمْتا (2)
39-
أي باقي يى بى زَوَالِ دائم

وَيْ هادِي يى بى فَنَايِ قائم
40-
أي خالقِ أرضُ وآسِمَانان

ويْ خالقِ جُمله إِنْس وجانان
41-
مُلْك وفَلَك و مَلَكْ بِه جَارَكْ

بالجمله ته ?يكرن تَبَارَكْ
42-
(سبحانكَ كُلَّ مَا خَلَقْتَ

أَحْسَنْتَ فَكَيْفَ ما فَلَقْتَ ) (3)
43-
هَرْ ?ي كو ته ?يكرْ أَيْ نِكُو كَار

هَرْيَكْ دِ حَدِي خوه دا سَزَاوار (4)



شرح المفردات:

1- (أي) للنداء (وى) مخففة من :و أى (زبان) لسان (صَيْقَل) ما يشحذ السيوف ويزيل عنها الصدأ (جَنان) بفتح الجيم. القلب .

2-(يكتا) فريد، لامثيل له (همتا) مماثل- نظير .

3-(فلقت) من فلق الشيء إذا أظهره من الخفاء .

4-(نكو كار) بديع الصنع (سزاوار) جدير لائق .

الترجمة :

- يامن شكرك جوهرة (تلفظها) الألسنة، وذكرك جلاء للقلوب .

- أيها الواحد الفرد الذي لاشريك له، الخالق الذي ليس كمثله شيء .

- أيها الباقي الدائم الذي لايزول،والهادي الذي لايفنى .

- ياخالق الأرض والسموات ، والجن والإنس أجمعين .

- تباركت أنت الذي خلقت المُلك والملائكة والأفلاك .

-سبحانك -ياالّله- لقد أحسنت كل شيء خلقته وأظهرته من عالم الغيب .

- كل ما خلقته يا بديع الصنع ،جدير بالخلق في حد ذاته .


44-
أَڤْ نَهْ صَدَفى د ِ?رْ مِرَاري

دُرّێ د ِسفِيدْ شَفَافُ وطاريْ (1)
45-
حَفْتى دِ مِثَالِ دُرِّ غَلْطَان

هَرْ شَشْ جِهَت و?َهَارِ أركان (2)
46-
هَرْسى وَلَدێ د ?ر مَوَاَلِيدْ

غَبْرا وسَمَا دِ ?َلْ مَقَاليد (3)
47-
لَوْحُ وقَلَم وثَوَابِت وعَرْشْ

حيوان ونَبات ومعدن وفَرْشْ (4)
48-
ظاهر كِرِنْ أَڤْ قَدَرْ صَناَئِع

?َيْدَا كِرِنْ أَڤ قَدَر بدائع
49-
هَرْيَكْ ژِ عَدَمْ كِرِنْ ته ?َيْداَ

إِبْداع كِرِنْ ته بى هَيُولا (5)
50-
في الجملهْ ?ِه أَوَّل و?ِه آَخِر

القِصَّهْ ?ِه مؤمن و ?ه كافر
51-
هَرْيَكْ ژِ تَرَا وه بُونَه مَظْهَر

أو رَنْ?ِ د وَان تو بُويي مُضَمَرْ (6)
52-
بى حُسْنِ ته وان نينه وُجُودَكْ

بى نورِ ته وان نينه نُمُودَكْ (7)



معاني المفردات:

1-(نه صدف) الأصداف التسعة،الأفلاك التسعة وهي فلك القمر-عطارد- الزهرة-الشمس-المريخ-المشتري-زحل بالإضافة إلى فلك الثوابت أي النجوم الثابتة كالجوزاء والسماكين، وأخيراً الفلك الأعظم أو الأطلس أو فلك الأفلاك وهو أعظمها على الإطلاق . (د) لإضافة الجمع ويأتي بمعنى الإسم الموصول ويرد كثيراً في الشعر الكردي القديم ( مراري) لؤلؤ كناية عن النجوم (سفيد) أبيض ( طاري) مظلم و في نسخة رودينكو ورد هذا البيت هكذا:

روژي دِ س?ى شڤى د طاري أي : الأيام البيض و الليالي المظلمة.

2-(حفتى) السبعة التي وهي الكواكب السيارة (در غلطان) الدر المتدحرج (شش جهت) الجهات الست وهي الجهات الأربع مضافاً إليها فوق وتحت . (?هار أركان) الأركان أو العناصر الأربعة وهي الماء،النار،الهواء ،التراب وتسمى (الآباء الوالدين) لأن اختلاطها يولد عناصر جديدة .

3- (هر سى ولد) الأولاد الثلاثة أي : المعدن و الجماد و الحيوان و تسمى العناصر الأربعة بالآباء الوالدين أو بالأمهات التي ينشأ منه و من اختلاطها المواليد المذكورة(مواليد) ما تفرع عن المعادن و الجمادات و الحيوانات(غيرا)الغبراء الأرض(مقاليد) المفاتيح، الخزائن .

5-(إبداع) إيجاد الشيء من لا شيء(هيولا) الهيولى وهو جوهر بسيط لايتم وجوده بالفعل دون وجود ما يحل فيه. أصل الشيء و مادته .

6-(ژ ترا) لك، والخطاب لّله (وه) هكذا (أو رن?) بذلك الشكل (د وان) فيهم .أي في تلك المخلوقات (مضمر) كامن، مخفي .

7-(نينه) لايوجد (نمودك) نمود: ظهور .

8-(لوح) اللوح المحفوظ (قلم) الّله الذي خط به على اللوح المحفوظ (ثوابت) فلك الثوابت و هو الفلك الثامن( عرش) عرش الّله الذي استوى عليه بعد فراغه من خلق الكون (فرش) الأرض .

الترجمة :

- هذه الأصداف التسعة، ذات اللآلىء الكثيرة،الأيام البيض و الليالي المظلمة( اعتمدت نسخة رودينكو في شرح هذا الشطر).

- (الكواكب) السبعة مثل الدرر المتدحرجة، الجهات الست والأركان الأربعة .

- الأولاد الثلاثة الذين نتج عنهم مواليد كثر، الأرض والسماء .

- اللوح والقلم والثوابت والعرش، الحيوان،النبات والمعدن والأرض .

- أنت الذي أظهرت هذه الصنائع، وأوجدت هذه البدائع .

- أوجدت كل واحد منها من العدم، وأبدعتها دون حاجة إلى (هيولى) .

- وفي النتيجة الخلق كله- أولاً وأخراً -مؤمناً وكافراً .

- أصبح مظهراً (لعظمتك وربوبيتك) وفي كلَّ ماخلقت يبدو ذاتك مضمرة .

- بدون حسنك لاوجود للخلق،وبدون نورك لاظهور للمخلوقات .


53-

حِكْمَتْ أَوَه باطني وظاهر

قُدْرَتْ أَوَه غائبي وحاضِرْ (1)
54-
نينٍنْ ته تَجَزُّؤ وَتَمَكُّنْ

أَمَّا تو دِ وَانْ دِكي تَوَطُّن (2)
55-
?ويا هَمي جِسْمَكِنْ تو جاني

?ويا همي شَهْرَكِنْ تو خاني (3)
56-
حُسْنَا تَه يَه زيِنَتَا حَبيبان

رَشْكا ته يه غِيَرتَا رَقيبان (4)
57-
مَيْلاَ ته يه عاشقانْ دكيشِتْ

دَرْدێ ته يه دل ژِ بَرْ دِإيشتْ (5)
58-
(شيرين) ته كِرَه شَكَر لـ( ?َرْوِيز)

(فرهادِ) ژ ِرَنَ?ِ اَشْك خُونْريز (6)
59-
(ليلى) ته كِرَه بَلاَ لِه (قَيْسِ)

(رامينْ) بِه تَه رَامِ بو لِه (وَيْسِ) (7)



شرح المفردات :

1-(باطني) أنت الباطن، الباطن من أسماء الّله الحسنى. و الياء علامة المخاطب المفرد .

2-(تجزؤ) التفرع إلى أجزاء و في نسخة رودينكو : تحيز , و معنى تحيز أخذ حيز من المكان ،مما هو غير جائز في حق ذات الله .

(تمكن) أخذ حيز من المكان (توطن) استيطان و يقول الباحث الراحل هادي العلوي في مقدمته للطبعة التي أصدرتها لترجمة مم و زين بدون النص الكردي في بيروت : إن عبارة خاني التوطن جديدة على الأدب الصوفي الذي يعالج وحدة الوجود .

3-( ?ويا) كأن (جان) روح (شهر) مدينة (خان) حاكم .

4-( رَشْكْ ) حسد ( رقيب) من يعكر صفو ويرقب تحركاتهم .

5-(ميل) انجذاب (دكيشت) يجذب .

6-(شيرين) معشوقة فرهاد (شكر) سكر ( ?رويز ) كسرى الذي عشق شيرين بدوره (ژ رنك) في بعض النسخ ژ رشك، ولكن أظنها مصحفة من(رژاند) بمعنى سكب وأراق (أشك) دمع (خونريز) الدم النازف .

7-(ليلى) حبيبة قيس المجنون المشهور (رامين) عاشق الفتاة (ويس) وقصتهما شهيرة في الأدب الفارسي كتبها شعراً فخر الدين جرجاني بين عامي (1053م-1063م) وهي تعود إلى الأدب الإيراني القديم ويرجعها بعضهم إلى العصر الساساني .

(رام بو) إطمأن إلى, إنقاد(له ويس) للفتاة (ويس) معشوقة رامين .

الترجمة :

-فأنت الظاهر (في آثارك) والباطن (لاتدركك الأبصار) أنت الغائب (عن الأنظار) والحاضر (في كل شيء خلقته) .

-لايمكن أن تأخذ حيزاً من المكان، ولكن تتوطن في مخلوقاتك (هل نقول : إن خاني شطح واقترب من مذهب الحلول؟! ) .

-كأن المخلوقات جسد أنت روحه، كأن (الكون) مدينة أنت الحاكم فيها !!

- حسنك هو الذي يزين وجوه المحبوبات،أما الرقباء (والعذال) فإنك ملأت قلوبهم حسداً .

- العشاق ينجذبون إلى الفاتنات لأن فيهن من جاذبيتك،والقلوب تتألم من حرقة عشقك .

-أنت الذي جعلت شيرين حلوة في عيني(?رويز )،أما فرهاد فلم يكن له نصيب سوى انهمال دموع كنزيف الدماء .( يقول الشاعر العظيم ملاي جزري :
(تَنى فرهادْ دِزَانْت لَذَّتِ عشق
كو وِي جانْ دايَه شيرينى نه ?رويز



والمعنى :

وحده فرهاد يعرف لذة العشق

إذ هو الذي قدم روحه لشيرين وليس ?رويز)

- أنت الذي ابتليت (قيساً) بحب ليلى وجعلت رامين ينقاد لحب ويس .

تعليق :

واضح من خلال قراءة ماسلف من الأبيات،أن خاني مؤمن بوحدة الوجود فهو يدعي أن العاشق ماكان لينقاد إلى عشق وجه جميل لولا أن في ذلك الوجه قبس من نور وجه الخالق .

كما يؤكد الخاني أن العشق هو ابتلاء من الّله لعباده، وهكذا سيبرر لنا الحب من حيث هو قدر إلهي لا رادَّ له .


60-
(يوسف) ته ?ِرَا نُمَا (زُلَيْخَا)؟

(وامق) ته كُسَا ?هاندَه (عَذْرّا) (1)
61-
شيخى وه كو ?يَنْجه حَجْ بِژَارِي

ديِن كِرْ ته ژبو كَ?َا كُفَاري (2)
62-
نَيْلُوفَرِ نازِ ?رْوَرِي كِرْ

أو ژي ته لِه مِهْرِ مُشْتَرِي كر (3)
63-
بالايى بلنْدْ ته دايَه سَرْوَانْ

?َابَنْدِ بَلاَ ته دا تَذَرْوَانْ (4)
64-
صور?ُلْ ته كرن ژخَارِ ?َيْداَ

بلبلَ ته كرن هَزَارِ شَيْدَا (5)
65-
خوش رَنْ?ي ته دا ?يَايى صور?ُل

خوش دن?ي ته دا نَوَايى بلبل (6)
66-
روناهي ته دا سَرێ شَمَالانْ

?رْوَانَه كِرِنْ بِه شوْقِ تالان (7)
67-
محبوبِ ته ?يكرن د دِلْكَشْ

مجذوبِ ته ?ى كِرِنْ مُشَوَّشْ (8)



معاني المفردات:

1-(يوسف) النبي ابن يعقوب،قصته شهيرة في القرآن(?را ) لماذا (نُما) أظهرت (زليخا) إمرأة العزيز التي هامت بحب يوسف (وامق) اسم عاشق (عذرا) كتب قصتهما شعراً الشاعر الفارسي (عنصري ت 1039) (كُسَا) كيف ؟

2-(شيخى) الشيخ الصنعاني الذي هام بحب فتاة أرمنية رآها في منامه ،اعتنق المسيحية لأجلها ثم عاد إلى رشده بعد محنة طويلة مذكورة في الكتب القديمة و منها منطق الطير لفريد الدين العطار و للشاعر الكردي فقي طيران منظومة شعرية باسم شيخي صنعان و يقول الجزري في قصيدة شهيرة:

مي نه نوشي شيخ صنعاني غلط أو نه ?و نيڤ أرمنستاني غلط

(لم ينهل الشيخ الصنعاني الخمرة خطأً ولم يذهب إلى أرمينيا خطأً) .

( ?ينجه حج بژاري) حج خمسين مرة و في شروح مم و زين كلها لم أجد تفسيراً لمعنى كلمة بژاري و هي تأتي بمعنى: أدى الفريضة, ففي البيت1559 يقول خاني:

أو ?نده قدح به يك ڤه خوارن أو ?نده قضا ژ نو بژارن

أي شربا معاً عديداً من الأقداح و أديا قضاء ما فاتهما.(ك?ا كفاري ) الفتاة الكافرة،الأرمنية التي أحبها الشيخ الصنعاني.

3-(نيلوفر) نبتة معروفة تعيش في الماء, تتفتح زهرتها بشروق الشمس و تذبل بغروبها(ناز ?روري) الدلال .النشأة في النعيم (مهر) الشمس .

4-(بالايى بلند) القامة الرشيقة (سروان) أشجار السرو (?ابند) أقدام مقيدة (تذروان) جمع تَذَرْوْ وهو طائر الدراج .

5-(خار) شوك (?يدا) موجود،ظاهر (هزار شيدا) صفة للبلبل الذي يشدو بألحان عديدة (هزار) ألف (شيدا) واله،متيم .

6- ( ?يا) نبتة،عشبة (نوا) حدوث، لحن .

7-(شَمَال) شمعة ( ?روانه ) فراشة (تالان) نهب .

8-(دلكش) جذاب،جاذب القلب .



الترجمة :

- لم أظهرت (حسن) يوسف لزليخا؟ وكيف أوصلت وامق إلى عذرا ؟

- والشيخ الذي حج خمسين مرة،أصبته بالجنون ولهاً بالفتاة الكافرة .

- وزهرة النيلوفر اللطيفة، جعلتها عاشقة للشمس .

- أنت وهبت أشجار السرو قامات باسقة، وابتليت طيور الدراج بأقدام مقيدة .

-أنت جعلت الورد يتفتح من بين الأشواك، وجعلت البلابل تشدو بألف لحن .

- صبغت الورود بهذه الألوان النضرة،منحت البلابل هذه الأنغام العذبة .

-أنت الذي جعلت ذبالات الشموع تضيء، وسلبت (عقول) الفراشات ولهاً بتلك الأنوار .

- أنت الذي خلقت الفاتنات يفضن جاذبية،وجعلت من يعشقهن مضطرب العقل .

تعليق:

لايخفى ما في الأبيات (62-65) من جمال المقابلة بين الحب والجمال في صور متعددة فالقامة المديدة جمالُُ حَلَّ في أشجار السرو- والتي أوَّلناها بالحسناوات - أما الحب الذي هو قيد وبلاء فقد أصبح من نصيب الدراج- والتي أوَّلناها بالعشاق .

وكذلك المقابلة بين زهرة النيلوفر- العاشقة- والشمس- المعشوقة- وأيضاً بين جمال الورد واضطراب البلبل وشدوه الجميل،وبين جمال النار التي تجلل الشموع وجنون الفراشات ببهاء تلك النار وغاية خاني من هذا الكلام أن يقول : ليس في الوجود سوى عنصري الحب والجمال فالكائن - أيّاً كان - ليس إلا عاشقاً أو معشوقاً فالعشق - حسب خاني- هو الذي يحرك الكون من مبدئه إلى منتهاه وأن الكون في سعي حثيث نحو الرجوع إلى الحالة الأولى التي كان فيها الحب والجمال متحدين في ذات واحدة وأن العاشق كان هو المعشوق . لذلك نرى الشعراء العجم والأكراد من بعدهم يركزون على حالة الفراشة كونها تمثل العاشق الحقيقي تمثيلاً حياً، إذ ليس للفراشة غاية سوى الاحتراق بلهيب الشمعة المشتعلة والفناء الكلي في ذات النار المتوهجة، يقول نيسابوري (ت 1641م) :
هر شعلهء شمع صد كمندست
?روانه در آتش أز جنون نيست



(في كل شعلة من الشمع مئة شرك، فليس من الجنون أن تكون الفراشة في النار ). ويقول سنائي (ت 1150م) :
?روانه ضعيف كند جان فداى شمع
تا ?يش شمع يك نظرش را سنا بود



( الفراشة الضعيفة تفدي الشمعة بروحها . ليحظى نظرها بومضة من سناها) .
68-

أَڤْ عِشْق ومَحَبَّتا دِ دِلْ دَا

أَڤْ زُلْفُ و سَلاَسِلِى دِ مِلْ دا (1)
69-
آيا نه ته ?يكرِن مُقَابِلْ

هَرْ يَكْ ته بِه هڤْ كِرِنْ مُعَادِلْ (2)
70-
آيينَه ته ?يكرِن مُكَرَّرْ

حُسْنَا خوه دِوَان دكي مُصَوَّرْ
71-
آيينَه لِه ?يشِ طُوطِيانْ ?ِرْتْ

دَاڤَكْ ته لِ?يشْ كوڤِيَانْ ?ِرْتْ (3)
72-
آيينَه ژ وانْ وَه يَه كو آڤه

أو عَكْسِ ژ وان وه يه كو طاڤه (4)
73-
نَقْشى ته دبينن أو دِ آڤى

نَاكِنْ حَذَرِێ ژ آڤ و داڤى
74-
لَبْ تشنه طَلَبْ دِكِنْ زُلالى

وێ دانه ودام و زُلْفُ وخالى (5)



معاني المفردات:

1-(سلاسل) الشعر المنسدل (دمل دا) على الأكتاف .

2-(آيا) أداة استفهام .

3-(آيينه) مرآة (طوطى) ببغاء (داڤ) فخ (ل?يش) أمام (كوڤي) الوحشي من الحيوانات .

4-(طاڤ) ضياء .

5-(لب تشنه)ظامئ الشفة (زلال) الماء العذب الصافي (دانه) حبة .طُعْم (دام) شَرَك (زلف) خصلة الشعر (خال) شامة و هي من المعالم الجمالية في الإنسان .

الترجمة :

- هذا العشق وهذه المحبة في القلوب،وهذه الخصلات المنسدلة على الأكتاف .

-ألست أنت الذي جعلتها متقابلة،وكلاّ منها تعادل الأخرى ؟!

- خلقت المرايا متكررة، وصورت فيها حسنك (المقصود بالمرايا ما خلق الّله من مخلوقات وتجلت فيها قدرته وعظمته، فما في الوجود انعكاس لجمال الّله) .

- أنت وضعت المرايا أمام الببغاوات،ونصبت الشباك أمام سائر الحيوانات .

- إنها تخال المرآة ماءً، وانعكاساتها ضياءً .

- إنها ترى نقشك في الماء، ولاتحاذر الشباك المنصوبة فيه .

- إنها صادية ظمأى تطلب الماء الزلال، وتلقي بأنفسها في الشباك طمعاً في ما تراه من طعم .





تعليق :

بالرجوع إلى كتاب منطق الطير للشاعر الفارسي فريد الدين العطار والإطلاع على اعتذار طائر الببغاء عن عدم مشاركة جمع الطير في التوجه إلى العنقاء، نستطيع فهم مراد الشاعر خاني من الأبيات (71-74) تقول الببغاء في معرض اعتذارها :

لاأستطيع القيام برحلة مثل هذه،فمنتهى غايتي أن أرتشف قطرة من ماء الحياة. فيرد عليها الهدهد (وهو مرشد الطيور في تلك الرحلة) : ما أنت إلا قشرة عديمة اللب .( الأبيات 778-788-منطق الطير ترجمة د.بديع محمد جمعة -ط3 1981 دار الأندلس –بيروت).

والببغاء عند العطار وعند خاني رمز من أعماه بهرج الحياة عن جوهرها،فهي لاترى غير الظاهر من بديع خلق الّله ولاتسعى إلا إلى القشور والمظاهر البادية للعيان، غافلة عن الجوهر والحقيقة .

أما فكرة المرايا فهي فكرة وجودية تفسر علاقة الّله بالكون وهي تُشبِّه المخلوقات بمرايا يظهر فيها بديع صنع الّله،يقول فريد الدين العطار : (إن ملكاً لم يجرؤ أحد على رؤيته أو لقائه،أراد أن يمكّن رعيته من رؤيته فصعد فوق قصره، وأمر أن توضع مرآة على الأرض، فتجلى فيها وجهه فرأته الرعية) . أنظر فلسفة التصوف في ديوان مم و زين -محمد أنور علي .. ص 112 .. بيروت 1972. أما قصد خاني من المرايا الموضوعة أمام الببغاوات فهو مكر الله الذي مكر به عباده و تحدث به الصوفية و استعاذوا الله من مكره, و لعل فكرة (طوطي ?س آيينه) كما في اللغة الفارسية هي فكرة الجبر الذي قال به خاني و هو يعني نفي الإرادة عن الإنسان و بالتالي تبرئته من أفعاله, و معنى طوطي ?س آيينه : الببغاء خلف المرآة, و هو شخص يجلس وراء المرآة و يتكلم و يلقن الببغاء و يدربها على نطق الكلمات, و هذه الببغاء تجلس قبالة المرآة فترى شكلها منعكساً فيها و تظن أن ببغاءً أمامها تتكلم فتقلدها.و المغزى أن الببغاء المقلدة لا ذنب لها فيما تقول.

وفي معجم المصطلحات الصوفية للدكتور أنور فؤاد أبي خزام نقلاً عن الكاشي:

(مرآة الوجود هي التَعينات المنسوبة إلى الشؤون الباطنية التي صورها الأكوان، فإن الشؤون باطنة،والوجود المتعين بتعيناتها ظاهرٌ، فمن هذا الوجه كانت الشؤون مرايا للوجود الواحد المتعين بصورها) . راجع معجم المصطلحات الصوفية ص 160 .حرف الميم.
75-
مَقْصودِ كو بُو ژ ?يشْ ڤه حاضِرْ

دێ قصدِ بِكِنْ جميعِ ناظر (1)
76-
طُوطِي بِه خوه ما شَكَرْ دريژِن ؟

هَرْ ?ي دِبِهِنْ أَوي دبيِژنْ (2)
77-
وِي مَقصدێ مُخْتصَرْ دِبينِنْ

?َا بَنْدِ دِبِنْ ?َلَكْ دِمِينِنْ (3)



معاني المفردات:

1-(مقصود) الّله (دێ) سوف .

2-(طوطي) ببغاء (بخوه) بذاتها ( دريژن) تسكب وجملة (شكر دريژن ) كناية عن الكلام الحلو (دبهن) تسمع .

3-(?ابند) مقيد القدم .

الترجمة :

إذا حضر المقصود أمام (الخلق) فإن كل ذي عين مبصرة سيقصده والتأويل (إذا تجلى الّله لعباده، فإن الجميع سيسعون إليه بقصد معرفته) .

-هل تنثر الببغاوات السكر بذاتها ؟ إنها تردد ما تسمعه .

- إنها ترى المقصد المختصر، لذلك تبقى في القيود مختلفة عن غيرها (من الطيور) .

تعليق :

هذه الأبيات تؤيد تأويلنا للأبيات السابقة (71-24)،وتوضح علاقة موضوع تلك الأبيات بقصة منطق الطير الرمزية،ومختصر القصة أن الهدهد(رمز المرشد الروحي) يسعى لجمع شمل الطيور (رمز السالكين في طريق معرفة الّله) والطيران بها صوب طائر السيمرغ أو العنقاء (رمز الذات الإلهية)،وقبل بدء الرحلة تعتذر طيور كثيرة -كل طائر يرمز إلى شخصية من الشخصيات البشرية من حيث الضعف والجبن والحيرة وحب الدنيا ...إلخ والببغاء من الطيور التي تعتذر وتتعلق بطلبها الوحيد وهو ارتشاف قطرة من ماء الحياة لتحقق بذلك خلوداً جسدياً مثل (الخضر) إلا أن الهدهد يتهمها بأنها لاتدرك سر الحياة والذي هو الفناء الكلي في المحبوب الأزلي،وفي النتيجة لايصل سوى ثلاثين طائراً مهيض الجناح في حالة يرثى لها من المذلة والانكسار،إلا أنها و حين تضاء الحضرة القدسية -لاتشاهد سوى ذاتها فعددها ثلاثون طائراً (سي مرغ)، وهكذا تتحد الطيور في ذات العنقاء والتي اسمها بالفارسية (سيمرغ)، وهذا رمز الفناء الذي تسعى إليه الصوفية .


توقيع  مصطف عبدي

 

" كن صامتاً أغلب الأحيان، ولا تقل إلا ما هو ضروري، وبقليل من الكلمات، وفيما ندر إن توفرت لك فرصة الكلام، تكلم ... لكن لا تقل أول شيء يأتي بخاطرك"
    رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [ 10  ]
قديم 2011-03-31, 06:04 PM مصطف عبدي غير متواجد حالياً
مصطف عبدي
The Godfather
الصورة الرمزية مصطف عبدي


مصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاًمصطف عبدي شخص رائع حقاً
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى مصطف عبدي إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطف عبدي
افتراضي رد: الدُّرُّ الثَمِين في شرح مَمْ و زين(حصريا من الكاتب على منتديات كوباني)


قلق وحيرة

78-
مَقْصُود ومُرادێ دِلْ تو شَايى

أمَّا تو (تُضِلُّ مَنْ تَشاَيي) (1)
79-
هَرْ?ي تَه دِڤى بِبِي ضَلاَلى

?ابَنْدِ دِكِي بِه زُلف وخالى
80-
هَرْ?ي كو تو بِيني سَرْ هَدَايَتْ

ڤيرا بِكِري بِكي عِنَايَتْ (2)
81-
حاضِرْ وِي دِبِي مقامِ معلوم

?َرْ خادِمَه وِي د?يري مخدوم (3)
82-
بى سَجْدَه تَه أَيْ جَنابِ معبود

(آدم) كِرَهْ قِبْلَ?َاه ومسجود
83-
(عيسى) ته كُسَا ?هانْدَه أَوْجَان

آيا بِه ?ه تَه حَبَانْدِ أو جان ؟ (4)
84-
دَرْسَا كو بِه خَفْ ته ?وته (إدريس)

اَلْبَتَّه دِ?و مَقامِ تقديس (5)



معاني المفردات:

1-(توشايى) أنت الشاه، الملك (أمّا) ولكن (تضل من تشاء) بالعربية في الأصل و هي إشارة إلى جزء من الآية 155 من سورة الأعراف (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء)

2-(ڤيرا) معه.

3-( وى د?يرى) تجعله (مخدوم) سيد، من يقوم الناس بخدمته

4-(أوجان) جمع أوج، المكان المرتفع (ته حباند) اخترت واصطفيت .

(أوجان) تلك الروح،أي عيسى .

5-(بخف) خفيةً،في السر (إدريس) النبي،ويقال إنه أول من خط بالقلم .

(مقام تقديس) المقام العلي الذي وصله النبي إدريس وفي القرآن:{ ورفعناه مكاناً علياً }

مريم-57 .

الترجمة :

- أنت مراد القلوب ومقصودها،ولكن تضل من تشاء (من أصحاب تلك القلوب) .

-كل من تشاء ضلاله،تدعه يقع أسير الخصلات والشامات (أي تغريه بهارج الدنيا،وقشورها)

-وكل من تسلك به سبيل الهداية، وتشمله بعنايتك .

-فإنك ترفع درجاته وتعلي مكانه وتحيله من خادم إلى سيد .

- يارب لقد جعلت آدم قبلة (للملائكة) دون أن يسجد (سجدة واحدة) لك .

- كيف أوصلت عيسى إلى الأوج، ولماذا اصطفيت تلك الروح دون غيرها؟.

- درسك الخفي الذي لقنته إدريس،دون شك هو الذي أوصله ذلك المقام المقدس .


85-
إِبْليسِ فَقيرِ بى جِنَايَتْ

هِنْدِي ته هَبُو دِ ?َلْ عِنَايَتْ (1)
86-
هَرْ روژِ دِكِرْ هَزَارِ طاعَتْ

لَوْرَا كو ته داوِي إسْتَطاعَتْ
87-
وِي سَجْدَه نه كر لِه غَيْرِ مَعْبُود

?يرا ته ژِبَرْ دَرێ خوه مَرْدُود (2)
88-
يَكْ سَجْدَه نَه بِر لِه ?يشِ أَغْيَار

قَهْرَا ته كِرَه (مُخَلَّدُ النَّار) (3)



معاني المفردات:

1-(فقير) نقيض الغني ولكن الأكراد يطلقون لفظة الفقير على الإنسان الهادئ البريء فهي من الألفاظ العربية الكثيرة التي تغيرت دلالاتها و معانيها في الكردية (بى جنايت) بريء، من لاجناية له (د?ل) معه، مع إبليس .

2-(?يرا) جعل ( ژبر درى خوه ) من أمام بابك (مردود) مطرود .

3-( ل?يش أغيار) أمام الغير .والمقصود آدم الذي رفض إبليس السجود له .

الترجمة :

- إبليس ذلك المسكين البريء،عندما كانت عنايتك تشمله .

- كان يتعبدك في كل يوم آلاف المرات، لأنك أنت الذي منحته الإستطاعة .

-إنه لم يسجد لغير خالقه، فطردته من بابك مهاناً .

- إنه لم يسجد لغيرك، فحل عليه غضبك وجعلته مخلداً في النار !!.

تعليق :

في هذه الأبيات يمهد (خاني) لإثبات وجود الجبر في المخلوقات، فيشير في البيت 78إلى الآية 155 من سورة الأعراف {إنْ هِيَ إلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وتَهْدِي مَنْ تَشَاء} هذه الآية وغيرها من الآيات التي تتحدث عن الضلال والهدى، كانت منطلقاً للمعتقدين بالجبر، فرأوا أن الإنسان خاضع للمشيئة الإلهية في أعماله كلها سواء كانت خيراً أو شراً، فالذي يشاء الله ضلاله، يفتنه ببهارج الدنيا ـ البيت 79، أما الذي يشاء الله هدايته، فإنه يكلؤه بعنايته، ثم يضرب (خاني) أربعة أمثال عن الهداية والضلال، وكيف أن المشيئة وحدها تتدخل دون أن يكون للمخلوق يد في مصيره، فآدم حصل على مرتبة عالية والتزم الملائكة بالسجود له بمقتضى أمر (اسجدوا لآدم) دون أن يكون آدم نفسه قد سجد لله سجدة واحدة، وعيسى أصبح كلمة الله، ثم رفعه الله إليه {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ..}النساء: 157,158 وإدريس حظي بمقامٍ رفيع {وَ رَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيَّاً}مريم. 57

إن (خاني) يتساءل، بل يسأل الله عن الحكمة في رفع شأن عيسى وآدم وإدريس، وهؤلاء لم يكن لهم سابق عمل وعبادة؟! ثم يضرب (خاني) المثل الرابع على الضلال، فيتحدث عن إبليس الذي كان يعبد الله ويطيعه ولا يعرف أحداً سواه. لأن الله كان يشمله بعنايته ـ الأبيات 85 ـ 86 ـ 87 لكن الله غضب عليه وعاقبه باللعن والطرد من ملكوت السموات وتوعده بالخلود في النار، وهو الذي شاء له ألا يسجد ـ البيت 88.

ولقد تعددت الآراء التي تفسر عدم سجود إبليس، وتراوحت بين اتهامه بالتكبر أو انعدام المعرفة أو نزعة الفضول وحب الإطلاع على سر الله أو خضوعه للمشيئة الإلهية الأزلية أو انشغاله بالتوحيد المطلق واستغراقه في الحب الإلهي.

إن القرآن الكريم فسر رفض إبليس على أنه نزوع إلى الاستكبار وتفضيل عنصر النار على الطين، ونهج معتدلة الصوفية هذا النهج، فقال جلال الدين الرومي في المثنوي الشهير: إن إبليس عارض النصَّ بالقياس وكان قياسُه فاسداً إذ كان قياس فرعٍ على أصل وقد اتهم هذا الصوفيُّ الكبير إبليسَ بعدم التأدب في حضرة الله فقال:

(عندما لعن الله إبليس وطرده لجرمه ومعارضته ربَّه وجدالِه معه قال: أواه .. يا رب إنك فعلت كل هذا وكانت هذه فتنتك، وأنت الآن تلعنني وتبعدني، وحينما اقترف آدم الخطيئة أخرجه الله من الجنة وقال الحق لآدم: يا آدم إنني قدّرت ذلك عليك ثم زجرتك على هذا الجرم، فلماذا لم تسائلني في الأمر ولك الحجة في ذلك؟

فقال آدم: يا رب كنت أعرف ذلك، ولكني لم أتخلَّ عن الأدب في حضرتك، ولم يترك لي العشق مجالاً للعتاب..)(المثنوي. ترجمة د. محمد عبد السلام كفافي)

أما الرأي الثاني الذي يقول أن إبليس كان خالياً من المعرفة، فيمثله بعض المتصوفة أمثال ابن عربي الذي قال في إحدى قصائده:

لو أن إبليسُ رأى من آدمٍ نورَ محيَّاها عليه ما أبى

وقد شرح ابن عربي بنفسه هذا البيت قائلاً: (احتجب ابليس واستكبر بنظرة إلى عنصره الأعلى عن عنصر آدم الترابي، فلما رأى الشرفَ لله امتنع عن النزول للأخس وما عرف ما أبطن الله له فيه من سبحات الأسماء الإلهية.)(ترجمان الأشواق لابن عربي)

وقد تبعه في ذلك الشاعر العظيم الجزري حين قال:

صَنَمَا سُرْ ژِ صَمَدْ شَوْقِ ژِ حَقْ دَايَه وجودێ

?َرْ عَزَازيِل بِدِيتا نَه دِبِرْ غَيْرِ سجودێ

والمعنى: إن الصنم الذي السر (أو الجاذبية إن كانت السين مضمومة) من الله الصمد ,أنار الوجود (بنور) الحق، ولو رآه إبليس لما وسعه إلا السجود.

و قال أيضاً:

?رْ دِ آدمْ بِدِيا سِرِّ عِلِمْ إبليسِي

(حينما أبصره كَبَّر حيناً وَسَجَدْ .. )

والمعنى: لو رأى إبليس سر العلم في آدم

لكبر وسجد حين رآه.

أما الذين قالوا بنزعة الفضول عند إبليس فقد مَثَّلهم الصوفي الفارسي فريد الدين العطار إذ يقول في منظومته الشعرية (منطق الطير) :

إن إبليس لم يسجد لآدم، حتى يطلع على السر الذي سيمنحه الّله لأدم وهو سر الروح- فحينما سجد الملائكة وانحنوا، منح الّله سره لآدم بينما

كان إبليس واقفاً يرى، واكتشف الّله أن إبليس كشف السر فعاقبه بطرده من ملكوت السماء ولعنه، إلا أن إبليس كان فرحاً بما حصل عليه فقال : إذا ظهر أمامي الكنز الطاهر فأي خوف لي من اللعنة؟!

أما الصنفان الآخران اللذان تناولا قضية إبليس، فقد تركزت معالجتهما للقضية في الدفاع عنه وتبرئته ولو بأسلوبين مختلفين.

فالحلاج وهو من الغلاة اعتبر إبليس المموحِّدَ الأكمل من بين مخلوقات الله كونه أبى أن يسجد لغير خالقه حتى أنه رفض أمر هذا الخالق بذلك، وإن أدى به الرفض إلى اللعن والطرد من ملكوت السماء. ولقد ربط الحلاج توحيد إبليس بفرط محبته لله وبغضه للشرك به و كان يقول: و ما كان في أهل السماء موحد مثله..

إننا نجد لدى الحلاج أيضاً تفسيراً يعتمد على مبدأ الجبر، ولكنه جعل التوحيد والعشق الإلهي أساس دفاعه عن إبليس، فقال على لسانه ((إن عذبني بناره أبد الأبد، ما سجدت لأحد، ولا أذل لشخص وجسد، ولا أعرف ضداً ولا ولداً، دعوايَ دعوى الصادقين، وأنا في الحب من الصادقين) (قال له: لا تسجدُ يا أيها المهين؟! قال: محب وأنا في الحب من الصادقين)(2) (مالي إلى غيرك سبيل، وإني محب ذليل)(الطواسين. الحسين بن منصور الحلاج_ طاسين الأزل و الالتباس. تحقيق لويس ماسينيون. باريس 1913).

وعلى هذا اعتبر الحلاجُ إبليسَ أستاذه وصاحبه (فصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون, إبليسُ هُدِّدَ بالنار وما رجع عن دعواه، وفرعون أُغْرِقَ في اليم وما رجع عن دعواه، ولم يقر بالواسطةِ البتَّةَ)(المصدر السابق ص 51) إن إبليسَ في نظر الحلاج صوفيٌ داوم على شهود الحق أحقاباً مديدة وتشبع بالتوحيد و أنواره فلم يشأ السجود لغير الحق (سجدوا لآدم على المساعدة، وإبليس جحد السجود لمدته الطويلة على المشاهدة) وقد قال إبليسُ لموسى حسن التقيا (منعني الدعوى بمعبودٍ واحد)(المصدر السابق ص55)

أما (خاني) فإنه لم يصل إلى مستوى الحلاج في دفاعه عن إبليس، لأنه ينطلق من مفهوم مغاير لمفهوم الحلاج، فالخاني يعتمد على مبدأ الجبر بشكل رئيسٍ لينفي عن إبليس صفة الحرية في رفضه للسجود ـ في دفاع الحلاج نجد صدىً خافتاً لهذه الفكرة، يذوب في مبدأ التوحيد حينما يقول على لسان إبليس مخاطباً الرب (إن أردتَ أن أسجد له فأنا المطيع، وإن منعتني عن سجوده فأنت المنيع)(المصدر السابق ص 53) ونجد لدى خاني أيضاً ملامح ـ تمسك إبليس بالتوحيد المطلق (إنه لم يسجد أمام الأغيار .. فجعله قهرك مخلداً في النار ـ البيت 88 ـ أنظر أيضاً البيت 87).



و من المدافعين عن إبليس بشار بن برد عندما يقول:
إبليسُ أشرفُ من أبيكم آدم فتبينوا يامعشرَ الأشرارِ

النارُ عنصرُه وآدمُ طينةٌ والطينُ لايسمو سموَّ النارِ


لقد أصدر الله إلى إبليس أمرين متناقضين, أولهما عبادة الله وحده، وثانيهما السجود لآدم، أما المصير الذي شاءه الله لإبليس منذ الأزل فهو اللعن والطرد، وقد بقي إبليس ملتزماً بتنفيذ الأمر الإلهي الأول حتى بعد صدور أمر جديد بالسجود لمخلوق طارئ لا يعتبره إبليس جديراً بالسجود.

لقد تعارض الأمر مع المشيئة، ولا يعتبر إبليسُ ـ حسب رأي الحلاج ـ أن أمر السجود كان أمراً، بل ابتلاءً من الله (الطواسين ص 46)، وكان إبليس يعلم أن تنفيذ الأمر ليس بمنجيه من مشيئة الله في اللعن والطرد (لو علمت أن السجودَ ينجيني لسجدتُ)(الطواسين_ طاسين المشيئة ص56)

ويقول الإمام عز الدين المقدسي في كتابه (تفليس إبليس) على لسان إبليس:

(خلقني كما شاء, وأوجدني لما شاء ,واستعملني فيما شاء , وقدَّر علي ما شاء , فلم أطق أن أشاء إلا ما شاء، فما تجاوزت ماشاء، ولا فعلت غير ما شاء , ولو شاء لردني إلى ما شاء , وهداني بما شاء، ولكنه شاء، فكنت كما شاء)(أنظر: نقد الفكر الديني_ د. صادق جلال العظم. دار الطليعة_ بيروت ط6 1988) فتمردُ إبليس لم يكن رفضاً للأمر الإلهي بالسجود لآدم بقدر ما كان تنفيذاً للمشيئة الإلهية في تقرير مصير إبليس ولعنه وطرده.

إن الجبر الذي كان يؤمن به (خاني) جعله يفسر سلوك إبليس على أنه ليس جرماً يعاقب عليه، ولقد كان إبليس نفسه جبرياً في جداله مع الله بعد لعنه، فقد أضاف الفعل للرب ونفى عن نفسه ذلك فقال {رَبِّ بِمَا أَغْوَيتَنِي}(سورة الحجر:39) أما آدم فكان على النقيض من ذلك إذ قال مع حواء: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا)(الأعراف: 23).

لقد دخل (خاني) في صفوف المدافعين عن إبليس، إلا أننا نتلمس لديه بدءاً من البيت 89 آثار التراجع عن موقفه الدفاعي متعللاً بجهله، وعدم إحاطته بالحكمة الإلهية، وسنلاحظ أنه يصل إلى قمة التراجع في البيت 186 حينما يقول: وصفوة القول ... أدخل هذا الشيطان المتمرد إلى النار فرداً وحيداً)! إننا نلاحظ لدى خاني مستويين من الرأي في إبليس، فهو في خضم حيرته وقلقه وبحثه عن الحكمة الإلهية في الخلق يبرئ إبليس ويدافع عنه ناعتاً إياه بـ (إبليسِ فقيرِ بى جنايت) أي (إبليس المسكين عديم الذنب) ولكنه حينما يدخل صلب قصته عن مم وزين، يصبح تفكيره تفكيراً عادياً ينحصر في رسم الشخصيات ووصفها، ونراه يجعل من إبليس رمزاً للشر أكثر من مرة، بل يجعل الشيطان تلميذاً لـ (بكر) في سوئه وخبثه.

ونستطيع القول أن خاني في المستوى الثاني من الحديث عن إبليس، يقصد الشيطان الذي يتصوره الخيال الشعبي وليس إبليس الذي حلت به اللعنة.

بقي أن نقول: إن خاني يحاول رسم مصير سعيد لإبليس من خلال (بكر) الذي نراه في نهاية القصة يسكن الجنة مع العاشقين (مم وزين) ويبرر ذلك بأن ما فعله كان تنفيذاً للمشيئة الإلهية أولاً،و ثانياً لأنه هو الذي أوصل العاشقين إلى هذه الحالة من العشق السامي لأنه منع وصالهما, و ثالثاً أنه كان السبب في سعادتهما الأخروية بالتسبب في الآلم لهما. ويعلق الدكتور عز الدين مصطفى رسول على نهاية (بكر) السعيدة قائلاً: أليس هذا هو نفس المصير الذي يراه خاني لإبليس ولا يقوى على التصريح به(أحمد خاني شاعراً و مفكراً.....ص 305)؟



إن تحيز خاني /الشاعر المتصوف المسلم/ إلى جانب إبليس الذي رفض السجود لآدم، و تفسيره عدم قيام إبليس بالسجود على أنه رفض للشرك بالّله والتزام بعقيدة التوحيد، يخالف بصراحة تفسير القرآن لرفض إبليس ،إذ تقول الآية 61من سورة الإسراء { وَإِذْ قُلْنا لِلمَلاَئِكَةِ اسْجُدوا لآدم فسجدوا إِلاَّ إِبْليَس قال أأسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طينَا } وتقول الآية 34 من سورة البقرة { وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فسجدوا إِلاَّ إِبليَس أَبَى واسْتَكْبَرَ وكَانَ مِنَ الكَافِرِين } وفي الآية 76من سورة ص { قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين } فالقرآن يفسر عدم سجود إبليس لآدم على أنه استكبار وتفضيل لعنصر النار على عنصر الطين .إننا نرى أن رأي خاني وتفسيره يبدو منطقياً ومنسجماً تمام الإنسجام مع عقيدته الجبرية، فإبليس لم يكن بإمكانه أن يسجد لأن الّله لم يشأ له ذلك، فليس له في الرفض جرم ولاجناية،كما أن إبليس كان ملتزماً بعبادة الّله وحده وعدم الشرك به فمن المحتم عليه أن يرفض أمراً بالشرك و لو صدر هذا الأمر من الرب سبحانه .




89-
القِصَّة ژِ حِكْمَتَا ته آ?َاه

فَرْدَكْ مَه نَدِي تَبَارَكَ الّله (1)
90-
عِرْفَانْ طَلَبى دِ صاحِبْ إِدْراكْ

دَرْ حَقِّ ته ?وتي: (ما عرفناك) (2)
91-
(خاني) بِه نَزَانِيا خوه دَرْ حَقْ

?ُمرَاه بِبِتْ نه دُوره الحق (3)
92-
إلاّ كو مَ?رْ مُعِينْ خُدَا بِتْ

يا رَاهِبَرێ وِي (مُصْطَفَى) بت (4)
93-
ياربِّ بِه حقِّ (مصطفى) كي

(خاني) بخوه را تو آشِنَاكي (5)



معاني المفردات:

1-( آ?اه)مطلع، عارف .

2-(ما عرفناك)إشارة إلى حديث نبوي يقول (ما عرفناك حق معرفتك، ولاعبدناك حق عبادتك). و في إحدى النسخ بدل : عرفان طلب د صاحب ادراك نجد الشطر هكذا: صاحب شرف خدان لولاك. أي صاحب الشرف و المتميز ب(حديث) لولاك.

3-(در حق) في الحقيقة (?ُمراه) ضال، تائه .

4-(راهبر) هادي، دليل .

5-(مصطفى) النبي محمد و المصطفى من ألقابه (آشنا) عارف .

الترجمة :



-في النتيجة لم نجد فرداً واحداً مطلِعاً على حكمتك يالّله .

- إن طالب العرفان وصاحب الادراك (النبي) قال في حقك: ماعرفناك !

- فليس ببعيد إذاً أن يضل خاني وينحرف عن سبيل الهدى بجهله .

-إلا إذا كان الّله معيناً له، أو كان النبي المصطفى هادياً له و دليلاً ( حينها لن يضل خاني) .

- فبحق نبيك المصطفى يارب، اجعل خاني عارفاً بك .


توقيع  مصطف عبدي

 

" كن صامتاً أغلب الأحيان، ولا تقل إلا ما هو ضروري، وبقليل من الكلمات، وفيما ندر إن توفرت لك فرصة الكلام، تكلم ... لكن لا تقل أول شيء يأتي بخاطرك"
    رد مع اقتباس
إضافة رد

انشر موضوعك و تابع جديدنا على مواقع النشر المفضلة:

الكلمات الدليلية (Tags - تاق )
مَمْ, من, منتديات, الثَمِين, الدُّرُّ, الكاتب, زين(حصريا, شرح, على, في, كوباني)

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: الدُّرُّ الثَمِين في شرح مَمْ و زين(حصريا من الكاتب على منتديات كوباني)
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
فرص إعلانية في منتديات كوباني CEO القسم الاداري، والارشيف 2 2012-07-28 02:35 PM
صور نوروز كوباني 2012 حصريا وكالات الأنباء القسم الاداري، والارشيف 9 2012-03-27 01:27 PM
دفاعا عن الاسلام-حصريا-الكاتب غريب عبد الله. مصطف عبدي الأدب|إبداع خاص| 4 2011-07-21 03:07 AM
صور رمزية لأعضاء منتديات كوباني مصطف عبدي العام 8 2011-07-12 03:25 PM
تذاكر سفر لشباب كوباني حصريا دمعة فرح مناقشات، وقضايا إشكالية 18 2010-01-12 08:46 AM

Share on Google + Sharek


Loading...


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014
منتديات كوباني

حجز موقع