11:35 ص - الجمعة ديسمبر 9, 2016

المناهج التعليمية باللغة الكُرديّة تثير جدلاً سياسياً في صفوف الأحزاب الكرديّة السوريّة

205 Viewed Kobani Kurd 0 respond

تتفاقم أزمة التعليم في مدينة القامشلي وبلداتها الواقعة في ريف محافظة الحسكة والتي تسيطر عليها الإدارة الذاتية المدنية الّتي أعلن عنها حزب الاتحاد الديمقراطي أواخر عام 2013 في شمال وشمال شرق سوريا بمشاركة أحزاب وتيارات كردية وأخرى عربية مسيحية وآشورية إلى جانب مشاركة بعض العشائر العربية، الأمر الذي أدى إلى نشوبٍ خلاف سياسي بين الإدارة الذاتية من جهة وبعض الأطراف الكردية في تلك المناطق من جهة أخرى نتيجة فرض الإدارة المناهج الدراسية باللغة الكردية في المراحل الدراسية الأولى في المقاطعات الكردية الثلاث وهي كوباني»عين العرب» وعفرين والقامشلي.

إذ خرج الآلاف من أنصار المجلس الوطني الكردي في سوريا في تظاهرات مناهضة لهذه المناهج بحجّة إنها «مؤدلجة» وفقاً لسياسات حزب الاتحاد الديمقراطي، لكن دون أن يتمكن المجلس الوطني وجمهوره من إحداث تغيير في القضية من خلال تلك التظاهرات، إذ لا يبدو التعليم باللغة الكردية في سوريا مرحبا به على الرغم من أن معظم الأحزاب الكردية السوريّة تطالب بحق تدريس اللغة الكردية منذ تأسيس أول حزب كردي سوري عام 1957، في حين ترى جهات كرديّة خارجة عن إطار الإدارة الذاتية والمجلس الوطني الكردي «أن رفض هذه المناهج التعليمية بحجة أنها مؤدلجة وفقاً لسياسات حزب الاتحاد الديمقراطي، هو أمر ظاهري فقط، إذ تبدو المشكلة عبارة عن تنافس سياسي بين الطرفين لاسيما وأن أنصار المجلس الوطني الكردي، رفعوا في عدة تظاهرات صور الرئيس مسعود البارزاني، ما يعني أنهم مؤدلجون أيضاً وفقاً لسياسات الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده البارزاني» في الوقت الذي لم يعلن فيه المجلس الوطني الكردي عن أي مشروع بديل يخص العملية التعليمية في المدن الكردية السورية، حيث اكتفى أنصاره بالخروج في عدة تظاهرات مناهضة لتلك المناهج في بلدات ومدن القامشلي دون وجود تظاهرات مشابهة لها في مدينتي كوباني وعفرين.

من حق كل إنسان أن يتعلم بلغته

وحسب كَلناز أحمد وهي مسؤولة في هيئة التربية والتعليم في الإدارة الذاتية المدنية في مقاطعة الجزيرة، فإن «تجربة المناهج الكردية مدرّوسة ومخطّطة» وتقول لـ «القدس العربي» «لقد وضعنا حجر الأساس لهذه التجربة منذ أربع سنوات وفقاً للإمكانيات المتوافرة لدينا، وبدأنا بتدريسها لساعات قليلة، ومن ثم قمنا بإضافة ساعات أخرى في المدارس، لنقوم باستبدال اللغة العربية بالكردية، فالأكراد يتكلمون لغتهم في سوريا ولكن لا يكتبون ولا يدرسون بها بشكل أكاديمي، لذلك انتقلنا من الخطوة الأولى التي تمثّلت بتدريس اللغة الكردية فقط إلى إدراج منهاجٍ كردي كامل في الصفوف الثلاثة الأولى من المرحلة الابتدائية».
وتضيف «قمنا بإعداد هذه المناهج وفقاً لأسس ديمقراطية بغية تغيّير الّذهنية البعثّية للتخلص من إيديولوجية حزب البعث التي سيطرت على عقول أولادنا منذ عقود، ومن حق كل إنسان أن يدرس ويتعلم بلغته الأم إن كان كردياً أو عربياً أو سريانياً، وفي الوقت الحالي نقوم بتهيئة العرب والسريان في مناطق الجزيرة السورية، ليقوموا بوضع منهاجٍ خاص بهم، حيث سنقوم بتدريبهم من أجل مساعدتهم في هذه الخطوّة».
وهي تنفي الإتهامات الموجّهة من قبل بعض الجهات الكردية أبرزها المجلس الوطني الكردي، للإدارة الذاتية المدنية بـ «أدلجة المناهج التعليمية الكرديّة» من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي ، فتؤكد «مناهجنا ليست مؤدلجة، وتقوم على التعدّد الديني والسياسي والطائفي، ومنحنا حق التعليم لكل مكون ليدرس بلغته والطريق مفتوحٌ أمام جميع مكوّنات المنطقة، وهذا ما ينفي تماماً صحّة تلك الإتهامات، كما أننا لم نفرض الانتساب لحزب الاتحاد الديمقراطي كشرط لدخول هذه المدارس». وتكشّف، إنّهم «يبحّثون في هذه المناهج منذ أربع سنوات باستشارة من الأوروبيين» وقد اقتدوا بتجاربهم، بالإضافة إلى وجود الكثير من المختصين في المدن الكردية السورية، والّذين ساهموا بوضع المناهج كخدمّة للمجتمع على العكس من نظام البعث في سوريا والّذي كان يضع العلم في خدمة مصالحه على حدّ تعبّيرها.
ودرّبت المؤسسات التعليمية في الإدارة الذاتية المدنية المدرّسين لمدّة سنة كاملة إلى أن تم تخريجهم «ليكونوا أهلاً للتدريب والتدريس» كما تصف أحمد قبل أن تضيف «اننا الآن بصدد إعداد الجامعات في المراحل الدراسية المتقدّمة، ليواصل المتدرّبون تعليمهم الأكاديمي، فقد قمنا أيضاً بإعداد منهاج لكامل المرحلة الابتدائية، وسنقوم بفرز التلاميذ حسب مكوّنهم العربي أو الكردي أو السرياني، ليتمكن كل تلميذٍ منهم من الدراسة بلغته الأم، وهذا الأمر لا يخلق حالة من التباعد بين المكوّنات السورية لأن التلاميذ سيلتقون في الفرق الموسيقية والرياضة واللعب أثناء فترات الراحة».

تضارب موقف أهالي التلاميذ

يأتي هذا، فيما تتضارب مواقف ذوي التلاميذ، فالبعض منهم يرفض هذه المناهج بحجّة أنها مؤدلجة من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي وهم في معظمهم من أنصار المجلس الوطني الكردي في سوريا، في حين أن نسبة أخرى من ذويهم توافق على هذه المناهج وهم في غالبيتهم من موالي حزب الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية المدنية مبرّرين ذلك بالشهداء الّذين سقطوا في معارك وحدات حماية الشعب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وهذا ما يمنحهم الشرعّية وفقاً لتصريحات أفراد من الفئة الثانية، في الوقت الّذي تستمر فيه العملية التعليمية بهذه المناهج في مدن القامشلي وكوباني وعفرين، بالإضافة لمحاولات الإدارة الذاتية لإدخالها إلى المناطق السورية الكبرى التي يتواجد فيها الأكراد مثل حلب والعاصمة دمشق.
ونتيجة لفرض المناهج في العام الدراسي الحالي، اضطرت بعض الأسر إلى إلحاق أطفالها في المدارس الخاصة على الرغم من أنها تكلف أموالاً باهظة، لكن لم يكن لديهم خيار آخر، فالمنهاج الكردي يُدرس من الصف الأول الابتدائي إلى الصف الثالث، الأمر الذي يعيق العملية التعليمية ممن هم في صفوف أخرى كالصف الرابع وبقية الصفوف الأخرى، في الوقت الذي ألتزم فيه بعض التلاميذ الجلوس في البيت ممن لا يساعد وضع أهاليهم المادي من إلحاقهم بالمدارس الخاصة.

كادر غير مؤهل:

أما المجلس الوطني الكردي في سوريا، فقد رفض هذه المناهج وخرج أنصاره في تظاهرات مناهضة لها في مدن الجزيرة السورية، ويقول رضوان سيدو وهو محامٍ وعضو في حزب المساواة الكردي وعضو في المجلس الوطني الكردي في سوريا لـ «القدس العربي» «إن هذه المناهج حسب إطلاعنا وإطلاع المختصين لا تناسب واقعنا، ونحن نعارض هذه التجرّبة لأنها مناهج مؤدلجة بشكلٍ أو بآخر، فهي ليست تعليمية وتربوية، ومليئة بصور ورموز حزب العمال الكُردستاني بهدف تنشئة جيل قريب من إيديولوجيتهم ونهجهم، وبهذا فهم يحطّمون مستقبل جيل كامل، إذ نحن وبقية الأحزاب الكردية في سوريا قمنا بالكثير من التضحيات من أجل تدريس اللغة الكردية واعتقلنا لسنوات قبل تأسيس حزب العمال الكردستاني، ولسنا ضد فكرة التدريس باللغة الكردية كما يروجون في إعلامهم الضخم مقابل إعلامنا الضئيل، فالمنهاج مؤدلج ومصير التلاميذ مجهّول، ولا نعرف إن كان المجتمع الدولي سيعترف بشهاداتهم، لأننا في حالة حربّ وكل طرف يسيطر على منطقة ما بقوّة السلاح».
ويضيف «الأشخاص الذين يقومون بتدريس التلاميذ ليست لديهم درجة مناسبة من الكفاءة، وهم فقط يتقنون اللغة الكردية، وبالتالي فهم غير مختصين، وغير مؤهلين للعملية التربوية».
ويتوقع «إن هذه المناهج ستدمّر جيلاً بكامله، وهي من الأسباب التي زادت من نسبة الهجرة من المدن الكردية السورية نحو أوروبا، نتيجة خوف الأهالي على مستقبل أطفالهم».
ويخالف إدريس سعدون، وهو ناشط سياسي كردي مستقل بعض ما جاء في كلام «رضوان سيدو» فيقول لـ «القدس العربي» «إن هذه التجربة جيدة من نوعها، وهي خطوة مباركة ننتظرها منذ سنوات، لكن هناك الكثير من المآخذ على هذه الخطوة، إذ يجب النظر إلى الكثير من الاعتبارات قبل الخوض في هذه التجربة وإيجاد المقومات الأساسية لتنفيذ مثل الكادر التدريسي المؤهل، فالكادر الحالي لا يعمل بطريقة علمية، فهو غير أكاديمي والتدريب مدة 6 أشهر غير كافية للقيام بهذا العمل الذي يدرس 4 سنوات في الجامعات كي ينتج كادراً مناسباً، وهذا ما ينعكس سلباً على الكادر التدريسي الموجود مسبقاً».
ويوضح سعدون «إن خلق حالة من البطالة بين المدرّسين القدامى الذين لم يشاركوا في هذه التجربة ينعكس سلباً على الكادر التدريسي أيضاً، فالعلم لتقدم المجتمع وليس لأدلة الأفكار وإقصاء الناس».
ويرى «إن توحيد الصف الكردي والقيام معاً على مثل هذه التجربة ستكون ناجحة وتكتسب الشرعية، لكن الخلافات السياسية بين الأحزاب الكردية تقضي على أي تجربة وتؤدي بها نحو الفشل».

المناهج غير معترف بها

وعن تأثير هذه المناهج على الهجرة الكردية من سوريا، يقول الكاتب والمعارض الكردي السوري أحمدي موسّي لـ «القدس العربي» إن «الانخفاض السكاني للكُرد في سوريا، كان أحد أسبابه المناهج التعليمية، التي فرضها حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يعد غصناً من شجرة حزب العمال الكردستاني، وكانت على مقاسه الحزبي، لاسيما وإن هذا الحزب يقبض على الحياة السياسية في المنطقة الكردية السورية بفعل قوّة السلاح». وبحسب موسّي، فإن»هذه المناهج غير علمية وغير مكتملة، كما لا يمكن اعتمادها لتدريس وتخريج الطلبة في المرحلة الابتدائية، فمرحلة التأسيس التعليمي للصغار تكون دقيقة وعلمّية ومركزة على الفهم بالعكس من المناهج التي فرضتها الإدارة الذاتية، فهو فاضح في ترويح ايديولوجية حزب العمال الكردستاني عبر المشاهد الصورية وبعض أقوال عبد الله أوجلان زعيم الحزب».
وهو يعتقد أن رفض المجلس الوطني الكردي في سوريا لهذه المناهج، يأتي لسببين، «الأول، أن هذا الحزب يفرض نفسه على المدن الكردية ويسيطر عليها، في ما تزال سلطة النظام السوري قائمة في المنطقة، الأمر الّذي يثير مخاوف الكُرد في عدم اعتراف منظمة اليونسيف بهذه المناهج وكذلك عدم اعتراف الدولة السورية المقبلة في حال بقاء النظام الحالي أو حلول المعارضة السورية في مكانه».
ويتابع»أما السبب الثاني، فأن هذه المناهج مؤقتة، ولن يعترف بها أحد من دول الجوار، ناهيك عن الدول الأوروبية، فإن لم يكن النظام السوري متواجداً في المنطقة الكردية برمّتها، كان يمكن أن يكون أمرها مغايراً لوضعها الحالي».
في المقابل، توضخ خُناف كانو وهي شاعرة كردية سورية تكتب باللغتين الكردية والعربية لـ «القدس العربي» «حين كنّا تلاميذا في مدارس النّظام كنّا ككرد سوريين نعاني من تعلم اللغة العربية، حيث كانت الكردية لغتنا الأم وكنا نتحدث بها في البيت، معظمنا لم يكن يتحدّث العربية قبل دخول المدرسة، ودائماً كانت لدينا عقدة نقص وكأنّ قوميتنا هي أقل من قومية التلاميذ العرب، فمثلاً حين كنت طالبة كان معظم التلاميذ العرب ينادونني باسم»ندى» وهو معنى اسمي بالكردية، حتّى إنّ مادة القوميّة والتاريخ كانت تنبذ وجودنا وقوميتنا تماماً. بعد الثورة السورية أصدرت الإدارة الذّاتية مناهج باللغة الكردية لاقَتْ بروباغندا إعلامية من قبل معارضي الإدارة أو مناصري الائتلاف السوري المعارض».
وتتساءل «لكن أين الايديولوجية فيها؟ صورة الشهيدة آرين ميركان التي أصبحت رمزاً كردياً للمقاومة، اعتبرها البعض صورة ايديولوجية، إذاً المناضلة جميلة بوحيرد أيضاً أصبحت إيديولوجية بالّنسبة لهؤلاء؟».
وتضيف لـ»المجلس الوطني بدوره أثبت فشله على جميع الصعد، هناك بعض الأخطاء في العملية التدريسية كون التجربة التعليمية والتربوية حديثة، لكن إن فكرنا في المستقبل بعيدا عن الصراعات السياسية، فإن هؤلاء الأطفال سيطورون لغتهم الأم، سيّما إنّ شعورهم بأنّهم أصحاب وطن ولغة وشعب، وإطّلاعهم على الفلكلور والتاريخ الكرديين، مثلا في المناهج الجديدة معظم الصور على أغلفة الكتب هي لأطفال يرتدون الزّي الفلكلوري الكردي، ويتحدثون عن المدن الكردية، تجربة كهذه ولو كانت في طريقها عوائق يجب أن تنجح، لأنّها تمثّل الخطوة الأولى نحو الديمقراطية في سوريا».
تجدر الإشارة إلى أن هذه المناهج، حرمت العديد من المدرّسين من عملهم في سلك التدريس، فقد اضطر بعضهم للمكوث في بيوتهم أو اللجوء لأعمال أخرى أو الهجرة بعد وقوعهم بين قرارات الإدارة الذاتية المدنية من جهة وقرارات الدولة السورية من جهة أخرى، فقد طلبت السلطات السورية من المدرّسين في تلك المناطق التزام بيوتهم بسبب المناهج التعليمية التي فرضتها الإدارة الذاتية، فيما يبدو مستقبل التلاميذ في تلك المناطق مجهولاً وسط هذه القرارات دون أن تتراجع الإدارة عن هذه الخطوة أو أن يوافق المجلس الوطني الكردي عليها أو أن يتخذ خطوة فعلية بدلاً منها، الأمر الذي يزيد من الخلافات السياسية بين مختلف الأحزاب الكردية في سوريا ويؤثر بشكلٍ أو آخر على سكان تلك المناطق وأطفالهم.

جوان سوز/القدس العربي

Facebook comments:

comments