9:54 ص - الخميس ديسمبر 8, 2016

تركيا .. درس في الديمقراطية

58 Viewed Kobani Kurd 0 respond

عماد يوسف
يدرك الشعب التركي أهمية تحكم سلطة سياسية منتخبة لأمور البلاد و حل الخلافات السياسية بالوسائل السلمية دون الرجوع لحكم العسكر الذي عانوا منه لعقود , لأنهم يعلمون أن الحكومة المنتخبة شعبياً حققت ازدهارا و تطورا ماديا و حضاريا و منحت الشعب دور التأثيرفي صنع القرار  بعيداً عن شخصنة الأمور لذلك رأيناه هب في وجه الانقلاب العسكري بمؤيدي الحكومة و معارضيها لأن سلطة العسكر تنهي دور الجميع و ليس شخص اردوغان و حكومته فقط .
 
بلا شك أن دول الشرق الأوسط تقوم بمجملها على تسلط العسكر في تفاصيل حياتها السياسية و جاءت بمعظمها الى سدة الحكم عن طريقه سواء بانقلاب عسكري أو ملكية بيدها مقاليد كل شيء دون أن تكون للشعوب أدنى تأثير في صنع القرار السياسي و انتخاب الحكومات التي تمثله .
 
ربما ظن معارضوا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن التخبط الحاصل في سياسات حكومته يمكنهم من الإطاحة به و سيكسبهم الدعم اللازم سياسيا و عسكريا و شعبيا للقيام بالانقلاب  , خاصة بعد  تحول سياسات الحكومة المفاجئ بعد الانفجارات الحاصلة في تركيا في فتح صفحات جديدة مع الدول العظمى و الإقليمية من خلال سياسة ” صفر مشاكل ” التي انتهجتها الحكومة التركية لإعادة رسم علاقاتها مع روسيا و اسرائيل و الدول المجاورة  لتحقيق استقرار الأمن القومي و التخلص من الصراعات الخارجية رغبة من أردوغان في التفرد للوضع الداخلي و بناء مشروعه الرئاسي   في جعل تركيا دولة عصرية متمدنة باقتصاد ضخم أولا و تثبيت الحكم الرئاسي بالتخلص من تحكم العسكر في أمور البلاد ثانياً , إلا أن تلبية الشعب التركي لنداء الرئيس التركي بالنزول للشوارع و إفشال عملية الانقلاب و عدم انخراط الاستخبارات و الشرطة التركية في الانقلاب ناهيك عن انحسارها ببعض القادة العسكريين من رتب متوسطة حال دون سقوط حكومة أردوغان .
 
و لم يشفع للانقلابيين سيطرتهم على وسائل الإعلام الرسمية و إصدار بيانات باسم الجيش يعلنون بها تعليق الدستور التركي و فرض الأحكام العرفية و تسليم السلطة لمجلس سلام عسكري حسب زعمهم , إلا أن دور الشعب التركي كان حاسماً في نزوله للشوارع و رفضه الانقلاب على الشرعية من مؤيدين لأردوغان تأكيدا لشعبيته الكبيرة و سياساته و معارضين له مؤكدين أنهم ليسوا مع شخص الرئيس بل مع الحكومة الشرعية و الدستور رافضين اي دور للعسكر في تحديد مصير الحياة السياسية في تركيا و تثبيت الديمقراطية التي تحققت في تركيا , و قد يكون اتهام حكومة اردوغان لفتح الله غولن فور حدوث الانقلاب  بأنه وراء محاولة الانقلاب لكسب الشعب و الجيش و مؤسسات الدولة التركية له في هذه اللحظات المفصلية و تخويفهم من منهجه الداعي إلى تغيير النظام العلماني في تركيا إلى نظام إسلامي .
 
و يأتي هذا التأييد الشعبي لأردوغان و حكومته بعد تلمسهم الانجازات التي حققوها بانحسار سلطة العسكر على الحياة السياسية و المدنية في تركيا و استطاعة اردوغان في إحداث ثورة يمكن تسميتها بالصامتة في تركيا بعد توليه رئاسة الوزراء و من ثم الجمهورية حيث عمل على الاستقرار والأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تركيا، وتصالح مع الأرمن بعد عداء تاريخي، وكذلك فعل مع اليونان، وفتح جسورا بينه وبين أذربيجان وبقية الجمهوريات السوفيتية السابقة، وأرسى تعاونا مع العراق وسوريا وفتح الحدود مع عدد من الدول العربية ورفع تأشيرة الدخول، وفتح أبوابا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا مع عدد من البلدان العالمية، وأصبحت مدينة إسطنبول العاصمة الثقافية الأوروبية عام 2009، ولقد أعاد لمدن وقرى الأكراد أسمائها الكردية بعدما كان ذلك محظورا، وسمح رسميا بالخطبة باللغة الكردية و قدم اعتذاراً  تاريخيا باسم دولة تركيا حول الأحداث المأساوية التي وقعت بين سنوات (1936- 1939) في منطقة درسيم، التي ارتكبتها الحكومة التركية آنذاك ممثلة بالحزب الجمهوري بحق الأكراد العلويين في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي .
 
و من المؤكد أن أردوغان و حكومته سيعيدان النظر في الكثير من الأمور الداخلية و يسعى لحلها فقد يتوجه إلى تقويض سلطة الجيش أكثر حين ينجح في مساعيه بتحويل نظام الحكم إلى النظام الرئاسي و تصفية حساباته السياسية مع المناوئين لحكمه, إضافة إلى الانفتاح أكثر على القضية الكردية في تركيا  و تفهم طموحاتهم بدلا من الاستخدام المفرط للقوة ضدهم ..
 
 
 

Facebook comments:

comments