9:13 م - الإثنين أبريل 24, 2017

كوباني التي تشبهنا

 

 
مصطفى عبدي – محي الدين كردي : في بلادهم، التي وصلناها ” لاجئين” بحقيبة صغيرة تمثّل كل الوطن – كوباني – الذي تركناه خلفنا بمن تبقى، وما تبقى.
هنا في هذه البلاد، نحاول إعادة بناء كوباني جديدة لنا، وإن اختلف كلّ شيء، لكن يمكننا ترتيب الذاكرة بما يليق حضورنا، نحاول أن نجد ما يشبه تلك الأماكن، والطرقات، والمدرسة، والشجرة، والجدران والجيران..
دائما نبحث عمّا يشبه كوباني هنا، في هذه المدن المتشابهة مع بعضها والتي تسمى “أوربا”.
لا نتحدث مع جارنا البقال، ندخل السوبر ماركت نجمع حاجياتنا، نبحث عمّا يشبه “خبز أمي” فلا نجده، ندفع ثمن الفاتورة دون أن نتبادل أية كلمة مع أحد، ونعود إلى غرفتنا، لا نختلط مع الجيران، أو لا نعرفهم حتى، لا يلعب أطفالنا مع أطفالهم إن وجدوا.
نمشي في الشارع الطويل كل صباح، أو مساء ونعود منزلنا الصغير جداً، في عالم كبير جداً ضمن خارطة أكلتنا، لكن دائما نعود إلى كوباني، نعيشها بالتفاصيل الصغيرة، وكيف تسير حياتها، نهتمّ بكل شيء فيها وعنها، وكل خبر يأتي منها فهو مهم دائماً، يأكلنا الخوف عليها، وكأنها طفل صغير تركناه خلفنا، بقرار خاطئ.
إن كتب أحد في كوباني جملة غير واضحة، نقلق بعنف، ونبدأ بفتح كل وسائل الاتصالات، حتى نطمئن، نظلّ جزءاً من هنا، في هذه المدينة البعيدة جداً، رغم ضوئها الساطع نجدها مظلمة ومخيفة بل قبيحة، هنا نحاول إعادة بناء الأماكن، الأماكن ذاتها التي كوّنت ذاكرتنا التي تحترق/ أماكن من ذاكرة الطين، نرسم في سفر ما، تلة، فتكون مشتنور، وعليها “شجرة توت” التي تواعدنا بجانبها أيام العشق، والنوروز. و”طريق شجر حج رشاد” الذي رسمناه مراراً على دفاترنا المدرسية، وأيضا “سكة القطار” الطويلة، مثل مللنا، الحزينة مثل أمانينا، و”الكولى” كانت أمنا التي تركت قطاها يتامى، و”مياه قناية” حيث كلّ العرائس كانت تحلم بغسل الصوف فيها، و”المقابر”و ” قبور موتانا” حيث تركنا كل الأحبة هناك.
نبحث عن ترتيب أشجار الصنوبر كما في “الغابة الغربية” التي كانت تاجاً يرصّع صدر كوباني.
ونبحث عمّا يشبه “كرى كانى” الذي كنا نراه غريباً دائماً، وسهولاً تشبه سروج، السهل الذي كان الأفق اللامتناهي وكان حلماً أن نتمكن من إعادة ضمه إلى خريطة الوطن الحلم.
ونتذكر أيضاً “عش اللقلق” الذي رحل دون وداع نحو الجبال البعيدة المكسوّة بالثلوج، هنا نحاول البحث عنه، قد يكون قرّر الرحيل قبلنا، و”كنيسة الأرمن” وحجارة المذبح التي كسرها الأطفال وهم لا يعلمون لماذا؟ و”الجسر القديم” الذي أصبح آخر محاولات الحضارة وهو الناجي الوحيد من تاريخ كوباني بعد الحرب اليوم، وايضا نحاول دوزندة صوت القطار هنا، مع موسيقا القطار الذي كان يقطع بصوته هدوء ليل كوباني او صباحها، رغم الاختلاف لكننا نقنع انفسنا بأنه لحن واحد.
المقاهي هنا، هل تشبه مقاهينا؟ التي كانت بقبقة مياه النراجيل تعبق بالمكان، و”مئذنة الجامع الكبير”، التي كانت كبيرة جدّاً عندما كنا صغاراً، وكذلك دور السينما العالية التي لا تقارن بسينما مسى، وصراخ ميسه توناس وقرقعة الجمهور، بألحان زي الهوى.
وأيضاً “الثانوية” تلك القلعة الشامخة، أيام المراهقة والتي تحوّلت إلى غبار، وكلّ الأشياء الأخرى، وكل قرية، وزاوية، ومدرسة/ وشارع….
نحاول أن نبني شخصيات، كما في كوباني، أو من تشبهها، وإن لم يكن من شبه، فنبحث عمّن يشبه “باقي خدو” وأغنية خالو ودلالى قيزكان ودوريشى عفدي، وعن “حافظى كور” وأمٌ تبكي ” عسكر برن” و “أوسى دينكى” المعتز بنفسه، و”أحمدى عدولى” الذي أضحكنا وهو يزيل العشائرية، و “محمد دومان” وكمانه العتيق الصادح بزريي.
و”بوزان أحمد” و “محمد هادي” رغم الطنبور العتيق كانت خمه ظالمة، ومشو بكابو وهو يناجي عشيقته.
ورشيد صوفي، الذي دخل تحت عباءة الشيخ الصنعاني، وأحمدى جب، بأصابعه النازفة ألماً، ومجو كندش: سفيرنا،وملا إيبرام، العاشق الصوفي، والشاعر الذي اختصر التاريخ.
وستديو نسرين، الذي أنتج فن كوباني، ونبو شيخ حسن، الشيء كله، و “حج بحري” جزء من ذاكرة الآلاف من الأطفال، و “شيخ موس” العطار بائع الحنة، و”الدكتور مظفر وخليل ومحمود وبحري” الذي تنحني الهام لما قدّموه.
وداوود النجار، الذي لم تلف أصابعه بالحرير لأن المكنة قد سبقت أيامه.، و”أيو صباغ الصوف” حيث لا يخلو بيت من ألوانه، و”مس جرميش” مبيض النحاس، فلمساته زارت كل قرية، و”حنو قرقونج” الذي كان ماهراً في صناعة اللباد (كولاف)
و”بركل بلو” الحكيم المسافر إلى المجهول. وكوتو الذي لا يهدأ، وايبكه بودله وجرمو ومسوتو وحمد كلي وحكمة شيغ نور، ومعجزة عباءته، و”محى بائع السوس” الذي ظل صوته يئن في أرجاء السوق رغم رحيله، و”أبو جانو” الذي لخص تاريخ الحزن بنبيذه المعتق.
إنهم كوباني، وإنها كوباني، وهي ذاكرة لا تحترق لمدينة قذفتها الأمواج على ضفاف شاطئ الضايع والمدينة الرمز، وكما قذفت ببعض من أبنائها الذين هم اليوم منتشرون في مساحات لا تنتهي، مساحات لن تشبههم أبداً.
Comments are closed